ترجمة معاني القرآن لأمازيغية سوس .. مشروع جماعي يصون الأمانة واللغة
ترجمةٌ لمعاني القرآن الكريم إلى اللغة الأمازيغية السوسية صدرت بمبادرة وعمل فقهاء وأكاديميين مغاربة، عن مؤسسة محمد السادس لنشر المصحف الشريف، وهي ترجمة موجهة إلى “عموم الناس من الناطقين باللغة الأمازيغية السوسية”، من أجل “تقريب معاني القرآن للأمازيغ السوسيين بلغتهم المحلية”، و”تمكينهم من فهم كلام الله عن بينة، والتدبر والخشوع في التلاوة والصلاة”، و”ربط الناس بالقرآن وتثقيفهم في عقيدته وعباداته وأخلاقه وقصصه وأحكامه”، علما أن “الترجمة لا تحل محل القرآن، لأنه لا يُتعبَّد بالترجمة في الشعائر، كما نص على ذلك العلماء”، وفق اللجنة العلمية للمبادرة.
وجمع هذا العمل 16 عضوا، في لجنة نسقها المهدي بن محمد السعيدي، الأستاذ بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بأكادير، وضمت كلا من اليزيد الراضي، الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى، ومحمد جميل، رئيس المجلس العلمي المحلي لأكادير، والحسن إيد سعيد، عن معهد محمد السادس للقراءات والدراسات القرآنية، وعبد الله گرزام، عن كلية الشريعة، جامعة ابن زهر، وعضو المجلس العلمي المحلي لإنزكان، وبوجمعة أبعقيل، عن مدرسة النجاح العتيقة، أكادير، ولحسن عفيف برگاز، عن مدرسة الإمام مالك العتيقة بأولوز، إقليم تارودانت، والحسين أبو الحق، عن مدرسة إيكونكا العتيقة، إقليم شتوكة أيت باها، والفقيه أحمد يحيا التجاجتي، عن مدرسة أيت وافقا العتيقة، إقليم تزنيت، وإبراهيم أيت بوناصر، عن مدرسة تامسولت العتيقة، إقليم تارودانت، ومحمد الصالحي، رئيس المجلس العلمي المحلي لتزنيت، وأحمد نجيب، عن مدرسة أوژون العتيقة، إقليم تارودانت، ولحسن زكّار، عضو المجلس العلمي المحلي لتارودانت، ومحمد أتلاغ، عن مدرسة تييوت العتيقة، إقليم تارودانت، ومحمد العسري، عن مسجد الأزهر بأژرو وواعظ بالمجلس العلمي المحلي لإنزگان أيت ملول، وإبراهيم القداح، عضو المجلس العلمي المحلي لتزنيت.
جهد جماعي
وفق ورقة المشروع، التي توصلت بها هسبريس من منسق لجنته العلمية المهدي بن محمد السعيدي، فإن اختيار هذا العدد الكبير من المشاركين في إعداد هذه الترجمة لمعاني القرآن مقصده “تجاوز قصور اللهجات المحلية للغة الأمازيغية السوسية، إذ من المعلوم أن لكل منطقة لهجة خاصة بها تتميز بخصوصيتها المعجمية والأسلوبية والتعبيرية، فلمناطق حاحة لهجاتها وللأطلس الكبير ولحوز مراكش وللأطلس الصغير الشمالي والجنوبي، وللمناطق المتاخمة لجبل سيروا شرق سوس، وللمناطق المحاذية لشمال الصحراء الغربية المغربية، ولمناطق السهول في تارودانت وتزنيت وشتوكة أيت باها، لكل منها لهجتها الخاصة التي يتقنها أهلها، وهذا كله يجعل معجم وأساليب وتعابير اللغة الأمازيغية السوسية (تاشلحيت) مشتتة في هذا الحيز الجغرافي الواسع، والاعتماد على لهجة واحدة يحد من استيعاب معاني القرآن الكريم بما تتسم به من تنوع الألفاظ وتفوق المعاني وإعجاز البيان ودقة التعبير الرباني”.
وبالتالي، يضيف المصدر ذاته، “كان لاجتماع هذه النخبة من علماء مختلف المناطق إسهام في تمثيل اللغة الأمازيغية والنهل من اتساعها لاستقبال المعاني القرآنية العظيمة والتعبير عنها على قدر الوسع وبحسب الطاقة، ولعل أبسط مثال على ذلك أن لهجات بعض المناطق الجبلية في سوس تعاني فقرا مدقعا في المعجم البحري المتوفر في المناطق الساحلية، التي تعاني هي بنفسها شحا في الألفاظ والتعابير عن البيئة الجبلية أو الصحراوية وما فيها من كائنات ومكونات”.
وتعود فكرة خوض هذه المهمة إلى أواخر سنة 2012، وقد استغرقت سبع سنوات من العمل لترى النور سنة 2026 الراهنة، إذ تورد الورقة: “انعقدت الندوة العلمية الثانية للمجالس العلمية بجهة سوس ماسة بأكادير في 21 و22 و23 دجنبر 2012، تحت عنوان ‘جهود السوسيين في خدمة القرآن الكريم: حصيلة وآفاقاً’، وتدارست موضوع ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الأمازيغية السوسية (تاشلحيت) وأوصت بتكوين لجنة علمية تتولى إنجاز هذه الترجمة بطريقة جماعية تتفادى قصور الجهود الفردية، وتعتمد الضوابط العلمية، سواء الخاصة بالترجمة من لغة إلى أخرى أو التقيد بضوابط قراءة القرآن الكريم ورسمه وضوابط كتابته، تقيدا بقراءة ورش ووقف الهبطي، وفهمه وتفسيره وفق ثوابت المملكة من العقيدة الأشعرية والمذهب المالكي”.
ضوابط الترجمة
واعتمدت هذه الترجمة لمعاني القرآن الكريم إلى الأمازيغية السوسية على “المصحف المحمدي الشريف برواية ورش عن نافع الصادر عن مؤسسة محمد السادس لنشر المصحف الشريف”، وبدأت بترجمة السور القصار التي يتلوها الناس كثيراً في صلواتهم، في عمل جماعي كان يخضع معه “إنجاز كل عضو لمراجعة مستمرة من باقي الأعضاء حتى يبلغ المستوى المطلوب لفظاً ومعنى”.
واقتصرت الترجمة على “نقل معاني الآيات دون الدخول في التفاصيل التفسيرية”، مع إضافة “ما لابد منه لإبراز ما يجب لإيضاح سياق المعاني المترجمة ووضع الألفاظ المضافة بين معقوفين، إشارة إلى أنها زائدة لتوضيح المعنى المقصود”، مع حرص في “استعمال اللغة المألوفة لعموم الناس، وتجنب الألفاظ الغامضة والغريبة والمستحدثة”.
وأبقت الترجمة “الكلمات العربية التي يفهمها السوسيون ويعدونها من لغتهم، كالبسملة والحمدلة وعبارات كثيرة مثل «نْشْكْرْ ءِي رْبِّي»، فلا داعي لاستبدالها”، ثم أخضعت “لمراجعة جماعية وتحكيم علمي قبل اعتمادها”.
وفي القراءة والرسم والضبط اعتمد هذا المشروع الجماعي على “وقف الهبطي، الذي يراعي الأحكام الفقهية واجتهادات المفسرين، ويجعل الوقف إيضاحاً للمعنى”، و”رواية ورش عن نافع، لتواترها وما تحمله من توجيه لمعاني الآيات عبر فرش الحروف والأحكام الصوتية”، مع “الحذف والإثبات في الرسم العثماني وفق الأقطاب الثلاثة: أبي عمرو الداني، وسليمان بن نجاح تلميذ أبي داود، والشيخ الخراز”، و”الضبط المغربي وفق نهج أهل المدينة في الإعجام والحركات والتنوين والهمز”.
مصادر ومقاصد
هذه الترجمة لمعاني القرآن الكريم إلى أمازيغية أهل سوس تروم “سدّ فراغ الترجمة العلمية الأمينة، ومنع ظهور ترجمات مسيئة للقرآن وللأمازيغ أنفسهم”، وتقصد “جمع كلمة الناس على كتاب الله حتى لا تتفرق بهم الأهواء”، مع “ترسيخ عناية المغاربة بالقرآن وتمتين صلتهم به للأجيال القادمة”، و”تخليد اللغة الأمازيغية السوسية كما خلّد القرآن اللغة العربية وحفظها، وحمايتها من التشويه والاقتراض العشوائي من أمازيغيات أخرى، خاصة من خارج المغرب”.
واعتمد هذا المشروع في نقل معاني القرآن من العربية إلى الأمازيغية السوسية على تفاسير، هي: “تفسير الجلالين، والبيضاوي، وأبي السعود، والنسفي، وابن كثير، والتحرير والتنوير لابن عاشور، وغيرها مما اعتمده العلماء”، كما اعتمد على مؤلفات سوسية بالأمازيغية، من بينها: “الحوض وبحر الدموع لأمحمد بن علي أوزال، والعقيدة وابن عاشر لعبد الله بن داود التمساوتي، وشرح الحسن التاموديزتي للحوض، وترجمة ربع العبادات من مجموع الأمير للحاج علي الدرقاوي، وترجمة متن ابن عاشر للحسن العروسي السملالي، وترجمة بردة البوصيري لعبد الله الحامدي، وترجمة رياض الصالحين والرسالة ونور اليقين لعبد الله للدرقاوي الإلغي، وترجمة الأربعين النووية لمحمد المختار السوسي، ومنظومات الحاج أحمد الجشتيمي، والمسارد اللغوية والمعاجم التي ألفها علماء سوس، مثل معجم ابن تونارت وإبراهيم بن علي الإسافني وابن الجنان وعبد الله بن الحاج شعيب الهلالي”.
كما اعتمد هذا الجهد العلمي الجماعي على ترجمات لمعاني القرآن إلى لغات أخرى، “خاصة الترجمات الصادرة عن مؤسسة محمد السادس لنشر المصحف الشريف بالإنجليزية والفرنسية والإسبانية، وترجمة محمد حميد الله إلى الفرنسية”.
وحول تدوين ترجمة معاني القرآن إلى الأمازيغية بالحرف الذي تكتب به العربية تجيب ورقة المشروع: “صدرت الترجمة في 1278 صفحة وصدرت في حجم جوامعي كبير (…) وحررت الترجمة بالحرف العربي وفق ضوابط كتابة اللغة الأمازيغية السوسية، التي سادت بمنطقة سوس على وجه الخصوص وفي الحوز ومنطقة حاحة لأزيد من 1000 سنة، رسخت خلالها تقاليد للكتابة الأمازيغية بالحرف العربي، في المدارس العتيقة والمساجد والزوايا، وحررت بها مئات المؤلفات والمترجمات والأنظام والنصوص الحكائية والحكمية الوعظية، مازالت الخزانات العامة والخاصة تحتفظ بنسخ عديدة منها”.
The post ترجمة معاني القرآن لأمازيغية سوس .. مشروع جماعي يصون الأمانة واللغة appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.
المصدر: هسبريس