شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

المطران عوده: الإيمان الحقيقي أمانة وشجاعة وثبات في وجه الشر

المطران عوده: الإيمان الحقيقي أمانة وشجاعة وثبات في وجه الشر

ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها المطران الياس عوده خدمة قداس عيد نقل رفات القديس العظيم في الشهداء جاورجيوس في كنيسة القديس جاورجيوس ــ الرميل بحضور حشد من المؤمنين. Advertisement بعد قراءة الإنجيل المقدس ألقى العظة التالية: "أحبائي، تضعنا كلمة الله التي تليت علينا اليوم أمام حقيقة جوهرية في حياتنا الروحية، أن الإيمان بالمسيح ليس مجرد انتماء ديني أو مجموعة من الممارسات الخارجية، بل هو حياة جديدة تنبع من رحمة الله، وتترجم أمانة وشجاعة وثباتا في وجه الشر. يدعونا الرب ألا نخاف ممن يقتل الجسد ولا يقدر بعد ذلك أن يفعل شيئا، بل أن نخاف ممن يستطيع أن يلقي في جهنم، أي أن ندرك خطورة الانفصال عن الله وفقدان الحياة معه. كذلك يكشف لنا الرسول بولس أن هذه الحياة الجديدة ليست ثمرة استحقاقنا، بل هي عطية من الله الغني بالرحمة، الذي أحبنا وأحيانا مع المسيح ونحن أموات بالزلات. مع هاتين الكلمتين الإلهيتين يضيء حياتنا تذكار نقل رفات القديس العظيم في الشهداء جاورجيوس اللابس الظفر، الذي شهد للمسيح حتى الموت، فأظهر أن العالم لا يستطيع أن ينتزع الحياة الحقيقية من الذين اتحدوا بالرب. يقول الرب: «ليس مكتوم إلا سيعلن، ولا خفي إلا سيعرف». الإنسان لا يستطيع أن يبني حياته على المظاهر، ولا أن يخفي حقيقة قلبه إلى الأبد. ففي عصر أصبحت فيه الصورة أهم من الحقيقة، والظهور أمام الناس أهم من نقاوة الضمير، قد يتقن المرء إظهار التدين فيما قلبه أسير الكبرياء والحسد والديونة. وقد يحافظ على حضوره في الكنيسة لكنه لا يسمح للإنجيل أن يدخل إلى أعماقه ويغير علاقته بأخيه الإنسان. نظرة الله مختلفة عن نظرة البشر، فهو «فاحص القلوب والكلى» ويعرف ما يخبأ من مخاوف ورغبات ونوايا. لذلك، ليست الدعوة المسيحية أن نبدو أبرارا أمام الناس، بل أن نسمح لنعمة الله بأن تجعلنا مستقيمين في الخفاء كما في العلن، صادقين في كلامنا، أمناء في أعمالنا، ومتواضعين في توبتنا. ثم ينتقل الرب إلى الخوف، ذلك الشعور الذي كثيرا ما يستعبد الإنسان ويشل إرادته. إنسان اليوم يخاف على مستقبله وصحته ورزقه وعائلته، ويعيش في قلق دائم أمام الحروب والأزمات والاضطرابات، حتى صار الخوف أحيانا يسير قراراته وعلاقاته ومواقفه. المسيح لا يطلب منا ألا نخاف، وأن ننكر ضعفنا البشري، بل أن نحرر خوفنا من عبودية العالم، ونضع حياتنا بين يدي الآب السماوي، واثقين بمحبته ورحمته. هو يقول أن العصافير لا تنسى أمام الله، وأن شعور رؤوسنا جميعها محصاة، ثم يؤكد أننا أفضل من عصافير كثيرة. الله لا يحبنا حبا عاما ومجردا، بل يعرف كلا منا معرفة شخصية، ويرى دموعه التي لا يراها أحد، ويسمع صلاته التي قد يعجز عن التعبير عنها، ويرافقه في ضعفه حين يشعر أنه متروك ووحيد. الإيمان لا يعني أننا لن نعبر الأوجاع، بل أننا لن نعبرها وحدنا. هنا، نفهم شهادة القديس جاورجيوس، الذي لم يكن انتصاره مجرد غلبة على مضطهديه، بل كان تحررا من الخوف الذي يجعل الإنسان عبدا للتهديد والقوة والمصلحة. واجه الاضطهاد لأنه أدرك أن أمانته للمسيح أثمن من سلامة الجسد، وأن خسارة الحياة الأرضية لا تعني خسارة الحياة الأبدية. لم يكن استشهاده احتقارا للحياة، بل كان إعلانا أن الحياة تبلغ ملء معناها في الشركة مع الله. الشهيد ليس إنسانا لا يشعر بالألم، بل إنسان لا يسمح للألم بأن يفصله عن محبة المسيح. هو لا ينتصر لأنه قوي، بل لأن نعمة الله تسنده في ضعفه، وتجعل أمانته أقوى من تهديد الموت. يقول الرسول بولس في رسالة اليوم: «بالنعمة أنتم مخلصون، بالإيمان، وذلك ليس منكم، هو عطية الله، ليس من أعمال كي لا يفتخر أحد». القديس جاورجيوس لم يشتر الملكوت بقوته، ولم يصبح قديسا باستحقاق مستقل عن الله، بل استجاب للنعمة التي دعته إلى الثبات والأمانة. إن الخلاص ليس جائزة ينالها الإنسان لأنه متفوق على سواه، بل عطية الله التي تستدعي جوابا حرا من الإيمان والمحبة والتوبة. هذا لا يعني أن الأعمال الصالحة غير ضرورية. يقول الرسول بولس أننا «مخلوقون في المسيح يسوع لأعمال صالحة، قد سبق الله فأعدها لكي نسلك فيها». الأعمال لا تشتري الخلاص بل تكشف أن نعمة الله تعمل فينا، وأن الإيمان الحي بدأ يثمر في حياتنا. من هنا أيضا نفهم لماذا تحتل بقايا الشهداء مكانة مكرمة في تقليدنا. فنحن لا نكرم عظام القديسين كأنها قوة مستقلة عن الله، ولا نعبد الرفات، بل نكرم الإنسان الذي قدسه الله، ونعلن إيماننا بأن الجسد نفسه مدعو إلى القيامة والمجد. إن نقل رفات القديس جاورجيوس يذكرنا بأن الموت ليس نهاية المسيرة، وأن جسد الإنسان ليس شيئا تافها يرمى في النسيان، بل هو مدعو للاشتراك في الحياة الأبدية. فالذي تجسد من أجل خلاصنا، ومات وقام، افتدى الإنسان بكامله، نفسا وجسدا. لذلك نرى في رفات الشهداء شهادة صامتة، لكنها قوية، بأن القداسة ليست فكرة مجردة، بل حياة عاشها أناس حقيقيون، وقدموا أجسادهم وأعمارهم محبة بالمسيح. يتابع الرب تحذيره من جحود الإيمان مبينا أن الاعتراف به أمام الناس يقابله اعترافه بنا أمام الله. لكن اعترافنا لا يقتصر على الكلام، ولا يعني أن نعلن مسيحيتنا حين يكون ذلك سهلا ومقبولا، ثم ننكر الإنجيل بسلوكنا حين يتطلب منا تضحية أو أمانة أو شهادة للحق. الاستشهاد، وإن كان في صورته الدموية شهادة نادرة، يبقى في صميمه دعوة موجهة إلى كل مؤمن كي يشهد للمسيح في حياته اليومية، حيث تتواجه إرادة الله مع مغريات الحياة، ومع مصالحنا وأنانيتنا ومخاوفنا. إن تذكار نقل رفات القديس جاورجيوس دعوة إلى فحص حياتنا في نور القيامة. فلنطلب شفاعاته كي يمنحنا الرب قلبا ثابتا في الإيمان، ولسانا يعترف بالحق ولا ينطق بأي سوء، ويدين تمتدان إلى المحتاج بفرح، وحياة تشهد للمسيح من دون خوف أو رياء. ولنتذكر أن الله لا يدعونا إلى القداسة لأننا أقوياء، بل يمنحنا نعمته لننهض من ضعفنا ونسير في أعمال المحبة فنستحق الحياة الأبدية التي أعدها لنا، آمين".

المصدر: لبنان 24