بعد الأربعين أيضاً تُكتب الأفلام... ستريب وكيدمان في مواجهة التمييز العمري
عام 2015، كتبت مجموعة من النساء العاملات في السينما في نيويورك رسالة إلى ميريل ستريب. لم يكن الهدف عرض سيناريو عليها أو دعوتها للمشاركة في فيلم جديد، وإنما طلب مساعدتها في مواجهة مشكلة يعرفنها جيداً: نصوص تكتبها نساء يمتلكن الخبرة والموهبة، لكن فرص وصولها إلى الشاشة تتضاءل مع تقدّم صاحباتها في العمر.
استجابت ستريب، ومن تلك الرسالة وُلدت مبادرة "The Writers Lab"، التي تستعد اليوم لفتح فصل جديد من تجربتها، بدعم من النجمة الأسترالية نيكول كيدمان أيضاً، بعدما أعلنت توسّعها للمرة الأولى إلى أستراليا ونيوزيلندا.
وراء هذا التوسّع قضية قديمة في صناعة السينما، اعتاد الجمهور مناقشتها من خلال الأدوار التي تُعرض على الممثلات مع تقدّمهنّ في السن. لكن المسألة تبدأ أحياناً قبل اختيار الممثلين، في المكاتب التي تُقرأ فيها النصوص، وتُتخذ القرارات بشأن ما يستحق التمويل والإنتاج.

برنامج جديد يفتح أبوابه في أستراليا
تُقام الدورة الأسترالية الأولى من البرنامج في منطقة غولد كوست بولاية كوينزلاند، من 30 نيسان/أبريل إلى 4 أيار/مايو 2027، وتتيح لـ12 من أصحاب المواهب في كتابة السيناريو، ممن بلغوا الأربعين عاماً وما فوق، تطوير مشاريعهم السينمائية والتلفزيونية.
وعلى امتداد خمسة أيام، يعمل المشاركون مع مجموعة من الكتّاب والمنتجين المحترفين، من خلال جلسات إرشاد فردية وورش جماعية تتيح مناقشة النصوص، وإعادة النظر في بنائها الدرامي، وتطوير الشخصيات والحبكات.
ومن بين الأسماء المشاركة في الإرشاد ريتا هسياو، التي ساهمت في كتابة فيلمَي الرسوم المتحرّكة "Mulan" و"Toy Story 2"، إلى جانب الكاتبتين ليز دوران وبراير غريس سميث.
ويُفتح باب تقديم الطلبات في 11 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، ويستمر حتى 11 كانون الأول/ديسمبر، على أن يقدّم المرشحون عيّنة من سيناريو فيلم طويل أو حلقة تجريبية لمسلسل، لا تقلّ عن عشرين صفحة.

عندما لا تشفع الخبرة لصاحبتها
تثير المبادرة مسألة تتجاوز فرص العمل الفردية إلى طبيعة القصص التي تصل إلى الجمهور. فحين يغيب حضور النساء الناضجات عن غرف الكتابة، تتقلّص أيضاً فرصة رؤية العالم من خلال تجاربهنّ، بما تحمله من علاقات وتحولات وخسارات واكتشافات.
وتكشف الأرقام استمرار التفاوت خلف الكاميرا. فوفق بيانات هيئة "Screen Australia"، شكّلت النساء 33 في المئة من كتّاب الأفلام الدرامية الطويلة التي دخلت مرحلة الإنتاج في أستراليا خلال السنة المالية 2023-2024، فيما بلغت نسبتهنّ بين المخرجين 32 في المئة.
ولا تقيس هذه الأرقام التمييز العمري بصورة مباشرة، لكنها تكشف حجم التحديات التي تواجه النساء في الوصول إلى مواقع الإبداع وصناعة القرار.
وتكتسب هذه المسألة أهمية إضافية عند النظر إلى السينما باعتبارها فناً يتغذّى من التجربة الإنسانية. فالعمر الذي يمنح الكاتب أو الكاتبة معرفة أوسع بتعقيدات الحياة، قد يتحوّل في سوق العمل إلى عامل يحدّ من فرص اكتشاف الموهبة وتطويرها.
ستريب وكيدمان تدعمان حضور النساء في السينما
ارتبط اسم ميريل ستريب بالمبادرة منذ إطلاقها عام 2015، حين ساهم دعمها المالي في تحويل الفكرة إلى برنامج فعلي. وقد دافعت مراراً عن أهمية منح الكاتبات صاحبات الخبرة فرصاً حقيقية، معتبرة أن وجهات نظرهنّ، التي تشكّلت عبر سنوات من الحياة والعمل، لم تنل التقدير الذي تستحقه في سوق السينما.
أما نيكول كيدمان، فأشارت إلى أهمية الإرشاد المهني للنساء، خصوصاً مع تقدّمهنّ في العمر، حين تصبح فرص الحصول على الدعم والتوجيه أقلّ حضوراً. وترى أن ازدياد القصص النسائية على الشاشة يمنح النساء قدرة أكبر على التعبير عن أنفسهنّ والتأثير في الصناعة.
ويحمل دعم النجمتين دلالة خاصة، بالنظر إلى تجربتيهما الطويلتين في السينما. فقد واصلت كلتاهما تقديم شخصيات نسائية معقّدة في مراحل عمرية مختلفة، في صناعة كثيراً ما أثارت الجدل بسبب محدودية الأدوار المتاحة للممثلات الأكبر سنّاً.
من نيويورك إلى أستراليا... مبادرة تتوسّع
تعود بدايات المبادرة إلى عام 2015، حين عملت إليزابيث كايدن ونيتزا ويلون وكايل آن ستوكس على تطوير مشروع لدعم كاتبات السيناريو بعد الأربعين، بالتعاون مع منظمة "New York Women in Film & Television".
استقبل البرنامج في دورته الأولى ثماني كاتبات، ضمن تجربة مكثّفة جمعت بين تطوير النصوص والإرشاد المهني. ومنذ ذلك الحين، توسّعت المبادرة لتشمل برامج في الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة وأوروبا.
واليوم، يفتح وصولها إلى أستراليا ونيوزيلندا باباً جديداً أمام جيل من المواهب التي قد تكون بدأت الكتابة متأخرة، أو أمضت سنوات في تطوير مشاريع لم تجد بعد فرصة للإنتاج.
المصدر: النهار