شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

العرب والمسلمون والقوة المهدورة (2)

العرب والمسلمون والقوة المهدورة (2)

د. مجدي العفيفي (6) الجغرافيا التي لم تصبح مشروعًا.. و.. إذا كانت الثروة قد أخفقت في حالات كثيرة في صناعة الاستقلال الاقتصادي الكامل، فإنَّ الجغرافيا بدورها لم تتحول إلى ما تستحقه من قوة استراتيجية مشتركة. فالعالم العربي يطل على البحر المتوسط والبحر الأحمر والخليج العربي والمحيط الأطلسي، ويتصل بممرات بحرية شديدة الأهمية، بينما تنتشر في العالم الإسلامي مواقع استراتيجية وأسواق وموارد وموانئ تستطيع أن تشكل، إذا تكاملت، شبكة اقتصادية وتجارية واسعة. ومع ذلك، بقيت الحدود السياسية في كثير من الأحيان حواجز أمام التعاون، بدل أن تكون خطوطًا لتنظيم العلاقات بين دول متكاملة المصالح. وظلت التجارة البينية أقل من الإمكانات المتاحة في قطاعات عديدة، واستمرت الخلافات السياسية في تعطيل مشروعات يمكن أن توفر فرص عمل واسعة، وتقلل تكاليف الإنتاج، وتدعم الأمن الغذائي والصناعي. ليس المطلوب إلغاء الدول أو تجاهل اختلاف أنظمتها، ولا تخيل وحدة سياسية تُفرض بقرار فوقي، بل بناء تعاون واقعي يبدأ من المصالح المشتركة، ويُعزز الثقة، ويحقق منافع ملموسة للمجتمعات. فشبكة من المصانع والجامعات ومراكز البحث والموانئ والسكك الحديدية ومشروعات الطاقة المشتركة يمكن أن تصنع من الجغرافيا قوة حقيقية، حتى في ظل استمرار الاختلافات السياسية. إن الدول التي تتكامل اقتصاديًا تمتلك قدرة أكبر على التفاوض، وتكون أقل تعرضًا للابتزاز، وأكثر قدرة على مواجهة الأزمات. أما الدول التي تنظر إلى جيرانها باعتبارهم خصومًا دائمين، فإنها تهدر فرصًا لا تعوض، وتدفع أثمانًا باهظة من مواردها واستقرارها. (7) القرار الذي لا نملكه كاملًا: لكن الثروة والجغرافيا لا تفسران وحدهما مأزق القوة المهدورة. فهناك سؤال أشد حساسية يتعلق باستقلال القرار السياسي، وبطبيعة العلاقة بين بعض النخب الحاكمة والقوى الدولية الكبرى. لقد ارتبطت سياسات عدد من الدول العربية والإسلامية، بدرجات متفاوتة، باعتبارات الأمن والتحالفات والمساعدات والاستثمارات الخارجية. وهذه العلاقات ليست في ذاتها دليلًا على التبعية؛ فكل دولة تحتاج إلى علاقات دولية وشراكات متعددة. لكن الخطر يبدأ حين تصبح الشراكة قيدًا على القرار، وحين تُقدَّم حماية المصالح الضيقة على المصلحة العامة، وحين يتراجع استقلال السياسة الوطنية تحت ضغط المصالح الاقتصادية أو الأمنية. وفي بعض مناطق الخليج، يؤدي الوجود العسكري الأجنبي دورًا مهمًا في الحسابات الأمنية للدول، في حين تظل مسألة بناء منظومة أمن إقليمي مستقلة ومتوازنة موضوعًا معقدًا لم يُحسم. ولا يُمكن مُعالجة هذه المسألة بالشعارات وحدها، بل تحتاج إلى بناء الثقة بين دول المنطقة، وتسوية النزاعات، وتطوير القدرات الدفاعية، وإقامة ترتيبات أمنية تحترم سيادة الدول وتقلل احتمالات الصدام. أما المشكلة الأعمق فتتمثل في غياب مشروع استراتيجي جامع يحدد ما الذي تريده الدول العربية والإسلامية من العالم، وما المصالح التي لا يجوز التفريط فيها، وكيف يمكنها التعاون لحماية تلك المصالح. فحين تتحدث الدول متفرقة، وتتفاوض كل واحدة وحدها، وتتعارض أولوياتها، يصبح من السهل على القوى الأكبر أن تتعامل معها وفق حساباتها الخاصة. أما حين تتقارب مصالحها، وتتفق على أولويات محددة، وتبني مؤسسات للتنسيق، فإنَّ قدرتها على التأثير تتضاعف. (8) أمة بين التاريخ والمستقبل ليس غريبًا أن نستحضر تاريخ الحضارة العربية والإسلامية، بما قدمته من إسهامات في الطب والرياضيات والفلك والفلسفة والعمارة والتجارة. لكن التاريخ، مهما كان مجيدًا، لا يصنع قوة الحاضر إذا تحول إلى وسيلة للتفاخر بدل أن يكون مصدرًا للتعلم. لقد ازدهرت الحضارة حين التقت المعرفة بالعمل، وحين نشطت حركة الترجمة والتأليف، وحين اتسعت مساحات البحث والاجتهاد، وحين تفاعلت الثقافات وتبادلت الخبرات. ولم تكن تلك الإنجازات ثمرة الشعارات، بل ثمرة مؤسسات ورعاية للعلماء وشبكات للتجارة والتواصل، وظروف أتاحت للمعرفة أن تنمو وتتراكم. وإذا أردنا استعادة المكانة، فلا يكفي أن نقول إن أجدادنا صنعوا الحضارة، بل ينبغي أن نسأل لماذا استطاعوا ذلك، وما الذي تغير في شروط إنتاج المعرفة، وكيف يُمكن بناء جامعات ومختبرات وشركات ومؤسسات ثقافية تستعيد روح المبادرة والإبداع. إن الأمة لا ترث القوة إلى الأبد، كما لا ترث الضعف إلى الأبد. إنها تصنع مكانتها في كل جيل، بما تنتجه من علم، وما تبنيه من مؤسسات، وما تحققه من عدالة، وما توفره لأبنائها من فرص. ولهذا، فإن صورة الإمبراطورية المعلقة على الرف ليست حكمًا نهائيًا على العرب والمسلمين، وإنما وصف لمفارقة قابلة للتغيير. فالإمكانات ما زالت قائمة، والموارد لم تختفِ، والعقول لم تنعدم، لكن تحويل هذه العناصر إلى قوة يتطلب إرادة سياسية، ورؤية استراتيجية، ومؤسسات قادرة على العمل، ومجتمعات تستطيع المشاركة والمساءلة. ويبقى السؤال الذي لا يمكن أن نهرب منه: إذا كانت الأمة تمتلك هذه المقومات كلها، فلماذا ظلت قوتها مهدورة؟ وهل يكمن الخلل في الظروف الخارجية وحدها، أم أن داخل البنية السياسية والاجتماعية ما أسهم في إضعافها وتعطيل قدرتها على النهوض؟ إنَّ الإجابة عن هذا السؤال هي الخطوة التالية؛ لأننا لن نستطيع استعادة القوة قبل أن نفهم بدقة من عطّلها، وكيف ترسخت أسباب العجز، ولماذا تحولت الخلافات إلى جدران تفصل بين الشعوب التي تستطيع أن تتعاون. وهنا ننتقل من صورة القوة المهدورة إلى تشريح أسباب إهدارها. ،،، وللسردية بقية...إذا كان في العمر بقية!

المصدر: الرؤية