حين تصبح الفعاليات غاية ويُهدر زمن التعلم
◄ تأملات في مسؤولية القيادة التعليمية عن حماية زمن التعلّم وصون رسالة المدرسة نصرة العبري حظي زمن التعلم بمكانة بالغة الأهمية في المنظومة التعليمية التي تتبعها سلطنة عُمان في فلسفتها التعليمية، كونه أساسًا من أساسيات نجاحها، وأفضل السبل لتحقيق جودة العملية التعليمية والتعلمية. وكما تؤكد معظم المدارس أنَّ التعلم يأتي في المقام الأول، إلا أن جداولها الزمنية غالبًا ما تعكس واقعًا مغايرًا؛ إذ تستحوذ الفعاليات على البرامج المدرسية وتزاحم زمن التعلم. الاستحواذ المتزايد للفعاليات على الجدول المدرسي قد يبدو أمرًا بسيطًا ومبررًا بحد ذاته، لا ننكر أهمية الفعاليات المدرسية الهادفة، ولا نقلل من أثرها التربوي، لكن عند تجميعها على مدار العام الدراسي، نجد أنها باتت تتنزع من الحصص مساحات، وتهدر قدرًا كبيرًا من زمن التعلم المخصص للطلاب الذين هم في أمسّ الحاجة إليه، والذي كان من الأجدر أن يصان لجوهر رسالة المدرسة. قد يبدو كل أمر من هذه الأمور بسيطًا ومبررًا بحد ذاته، ولكن ينبغي أن نتساءل: حين تستحوذ الفعاليات على الوقت: هل ما زال التعلم في صدارة الأولويات، أم أصبح ضيفًا على جدول مزدحم بالفعاليات والمناسبات؟ وهل يُتابع مقدار الوقت الذي تفقده المدرسة فعليًا؟ نادراً ما تقوم المدارس بقياس هذا الأمر، وعادة ما تكون التقديرات التي يضعها القادة في أذهانهم أقل من الواقع. إن اعتبار زمن التعلم مقدسًا يعني اتخاذ قرار بأن وقت الحصة ليس متاحًا لأي غرض آخر، ثم التمسك بهذا القرار حتى في الأوقات التي قد يكون فيها ذلك متعارضًا مع أمور أخرى. ويُعد هذا الموقف نهجًا قياديًا أصيلًا، وليس ممارسة عابرة. عظمة القيادة ليست في كثرة ما تنظمه من فعاليات، ولا في مظاهر وبريق ما تعرضه من احتفالات، بل في حرصها ومقدار ما تحميه من زمن تعلم الطالب، فكل نشاط أو برنامج لا يضيف قيمة حقيقية إلى نمو ومستوى الطالب يستحق أن يراجع قبل أن يضاف إلى الجدول المدرسي، وكل دقيقة تهدر من وقته وتنتزع من زمن تعلمه بلا هدف ولا غاية تربوية واضحة هي فرصة ضائعة. لذلك، تنطوي القيادة وعظمتها على مسؤولية إيقاف ما لا يُحقق هدفًا تربويًا واضحًا، وجعل الفعاليات وسيلة تثري التعلم، لا غاية تستحوذ على زمن التعلم؛ وليظل التعلم جوهر رسالتها، والغاية التي يقاس بها جدوى كل جهد تربوي، وتوزن بها البرامج وفي ضوئها تراجع الأولويات. لذلك فالقائد الواعي يدرك أن ليست كل ممارسة جديرة بأن تتحول إلى تقليد راسخ، ولا يقيس نجاح العمل بكثرة مظاهره، بل بوضوح غاياته وحسن استثمار الجهد والوقت، والأثر الذي يتركه؛ فالتعلم رسالة المدرسة، وصون زمنه أمانة القيادة، وحمايته عهد لا يقبل المساومة.
المصدر: الرؤية