الديموقراطيون يستعيدون مجلس الشيوخ... هل ينجحون في كبح أجندة ترامب؟
انتزع الديموقراطيون السيطرة على مجلس الشيوخ الأميركي بعدما حقّقوا سلسلة انتصارات في ولايات تميل إلى الجمهوريين، موجّهين ضربة قوية إلى الرئيس دونالد ترامب وحلفائه في الانتخابات النصفية، وممهّدين لمرحلة جديدة من المواجهة بين الكونغرس والبيت الأبيض.
وحسم الحزب الغالبية بفوزه في ولاية أيوا، بعدما قلب مقاعد جمهورية في تكساس وكانساس وأوهايو وكارولاينا الشمالية والجنوبية. كذلك، احتفظ بمقعدَيه في نيوهامبشير وجورجيا، اللذين كان الجمهوريون يأملون في انتزاعهما لتعويض خسائر محتملة في ولايات أخرى.
وبالتوازي، حقّق الديموقراطيون مكاسب في دوائر تنافسية بمجلس النواب، أشارت إلى اتجاههم نحو السيطرة عليه بفارق واسع، في نتائج تعكس حجم الاستياء من سياسات ترامب، وسط تداعيات الحرب مع إيران وارتفاع أسعار الوقود وكلفة المعيشة.
وقال زعيم الديموقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر، خلال مؤتمر صحافي في واشنطن ليل الثلاثاء: "استمعنا إلى الشعب الأميركي وإلى ما يريده. نحن استمعنا، وهم لم يفعلوا"، مضيفاً أنّ الناخبين حوّلوا "الجدار الأحمر إلى كومة من الطوب"، في إشارة إلى اختراق معاقل الحزب الجمهوري.
صلاحيات لمواجهة الرئيس
تمنح السيطرة على مجلس الشيوخ، اعتباراً من 3 كانون الثاني/يناير، الديموقراطيين القدرة على منع إقرار مرشّحي ترامب للمناصب القضائية والإدارية، فضلاً عن رئاسة اللجان التي تملك صلاحية استدعاء مسؤولين في الإدارة وغيرهم، للمضيّ في تحقيقات تعهّد الحزب بإجرائها في حال فوزه.
كذلك، سيصبح جدول أعمال المجلس التشريعي بيد الديموقراطيين، ما يمهّد لصدامات مع البيت الأبيض بشأن الإنفاق والحرب مع إيران ومشاريع خاصة أطلقها ترامب في واشنطن.

وتفتح النتائج الباب أمام عودة الكونغرس إلى ممارسة دور أكثر حزماً، بعد عامين أفسح خلالهما الجمهوريون المجال أمام ترامب لتوسيع نفوذه.
وقد تدفع الخسارة الجمهوريين إلى محاولة تمرير بعض أولوياتهم ضمن مشروع قانون جامع خلال الأسابيع المقبلة، مستفيدين من الفترة الانتقالية التي يحتفظ فيها الكونغرس المنتهية ولايته بصلاحياته، قبل تسلّم الأعضاء الجدد مهماتهم.
كيف يضغط الكونغرس على ترامب بشأن إيران؟
في هذا السياق، يرى المحاضر والزميل الأول في كلية جونز هوبكنز للدراسات الدولية المتقدّمة إدوارد ب. جوزف، في حديث لـ"النهار"، أنّ قدرة الكونغرس على التحرّك تخضع لقيود، لكنّه يستطيع، في الوقت نفسه، إحداث تأثير كبير في إدارة الرئيس للحرب، عبر أداتين أساسيتين: قرار صلاحيات الحرب والتحكّم بالتمويل.
ويوضح أنّ قرار صلاحيات الحرب يفرض، وفق شرحه، الحصول على موافقة الكونغرس خلال 60 يوماً، وإلّا تفتقر الحرب إلى التفويض. غير أنّ ترامب قد يحاول الالتفاف على هذا القيد بالقول إنّ وقف إطلاق النار يعلّق احتساب المهلة، بما يتيح له الدفع بأنّ العدّ التنازلي للأيام الستّين متوقّف.
أمّا الأداة الثانية، فهي سلطة الكونغرس على الإنفاق، إذ إنّه الجهة التي تجيز تخصيص الأموال للسلطة التنفيذية، وبالتالي يستطيع قطع تمويل الحرب. لكنّ جوزف يلفت إلى أنّ ترامب ومستشاريه قد يحاولون استخدام مصادر تمويل أخرى من الأموال المتاحة أصلاً للحكومة ووزارة الدفاع، ما قد يفتح مواجهة حول التمويل.
وعلى مستوى التفاوض، يعتبر أنّ وجود كونغرس حازم يقوده الديموقراطيون، ويحظى بدعم جمهوري كبير للضغط على ترامب من أجل وقف الحرب، سيؤثّر في حسابات طهران. فالإيرانيون، بحسب رأيه، قد يرون في هذه الضغوط سبباً لعدم تقديم تنازلات كثيرة، ما يضعف قدرة الرئيس الأميركي على التوصّل إلى تسوية مُرضية للنزاع.
ويذكّر بأنّ ترامب نفسه كان يحاول إنهاء الحرب، كما ظهر في مسار مذكرة التفاهم في حزيران/يونيو. ومن هنا، يطرح مسألة امتلاكه الأدوات اللازمة لإنجاز اتفاق، وما إذا كانت الضغوط الداخلية، بدعم جمهوري، ستضعف موقفه التفاوضي وتجعل إنهاء الحرب بنجاح أكثر صعوبة، رغم رغبة معظم دول الشرق الأوسط، بل جميعها تقريباً، في الوصول إلى هذه النتيجة.
الاقتصاد والحرب يقلبان المعادلة
وقبل عام، بدا انتزاع الديموقراطيين غالبية مجلس الشيوخ احتمالاً بعيداً. فقد دخل الجمهوريون الدورة الانتخابية بغالبية 53 مقعداً مقابل 47، مستفيدين من خريطة انتخابية تضمّ مقاعد يدافعون عنها في ولايات تميل إليهم، فيما واجه الديموقراطيون تحدّي الحفاظ على مقاعدهم.
لكنّ الظروف الاقتصادية وقرار ترامب بدء الحرب مع إيران في شباط/فبراير غيّرا مسار السباق. واستثمر الديموقراطيون الاستياء المتزايد لتوسيع حضورهم حتى في معاقل محافظة تقليدياً، مركّزين على أنّ الأميركيين يعانون ضغوطاً معيشية، فيما يجني الرئيس والمحيطون به مكاسب مالية كبيرة.
وكان الجمهوريون يعوّلون على عائد انتخابي من القانون الذي أطلق عليه ترامب اسم "مشروع القانون الكبير الجميل"، ووقّعه في تموز/يوليو 2025، بعدما اضطر نائب الرئيس جي دي فانس إلى الإدلاء بصوت كاسر للتعادل لإقراره في مجلس الشيوخ.
ومدّد القانون تخفيضات ضريبة الدخل التي أُقرّت خلال ولاية ترامب الأولى، وأضاف إعفاءات وتسهيلات، منها تخفيف الضرائب على الإكراميات وزيادة الخصم المتاح للضرائب المدفوعة على مستوى الولايات والسلطات المحلية.
في المقابل، هاجم الديموقراطيون التخفيضات التي طالت برامج الحماية الاجتماعية، ورفض الجمهوريين تمديد بعض أشكال الدعم المرتبطة بقانون الرعاية الصحية الميسّرة، معتبرين أنّ هذه السياسات تزيد الأعباء على الأسر.
وعزّزت الرسوم الجمركية هذا الخطاب. فقد أضرّت الحرب التجارية مع كندا خصوصاً بميشيغان وماين، حيث كان الجمهوريون يأملون في تحقيق مكاسب، كما رفعت الرسوم كلفة الأسمدة وقلّصت أسواق تصريف المحاصيل، ما انعكس على ناخبين محافظين في الولايات الزراعية.
وفي هذا الإطار، يشير الخبير إلى أنّ أدوات الضغط المتاحة للكونغرس لا تقتصر على الحرب مع إيران، بل تشمل الرسوم الجمركية التي يصفها بأنّها غير شعبية، بعدما رفعت الأسعار والتكاليف وألحقت الضرر بالمزارعين الأميركيين. ويرى أنّ الكونغرس يستطيع الضغط على ترامب بشأنها، فيما تشكّل نتائج الانتخابات بحدّ ذاتها رسالة إلى الرئيس بأنّ سياساته ونهجه لا يحظيان بشعبية.
ثم جاءت الحرب مع إيران لتضيّق إمدادات الوقود وترفع أسعار البنزين والديزل بصورة حادّة، وتثير خيبة أمل ناخبين دعموا ترامب انطلاقاً من تعهّداته بإبعاد الولايات المتحدة عن النزاعات الخارجية.
المصدر: النهار