انكسار القطبيّة الأحاديّة وحرب الاستنزاف التشريعيّة: قراءة جيوسياسيّة في التحوّلات الأمريكيّة وانتخابات التجديد النصفي
تأتي انتخابات التّجديد النّصفي كأهم ساحة اختبار واشتباك ميداني بين هذين المعسكرين، إذ تترجم التّناقضات الفلسفيّة المجرّدة إلى مقاعد تشريعيّة، موازنات ماليّة، وسلطة رقابيّة تحدّد مصير التحوّل نحو عالم متعدّد الأقطاب لم تعد الأزمة السّياسيّة الرّاهنة في الولايات المتحدة مسألة تنافس تقليدي بين حزبين يتداولان السّلطة التنفيذيّة والتشريعيّة، بل باتت تعبيرًا عن تصدّع فلسفي وهيكلي يمسّ جوهر النموذج الغربي المعاصر. انّ ما تشهده المنظومة الأمريكيّة يمثّل صراعًا وجوديًّا بين مشروعين متناقضين: مشروع "العولمة اللّيبرالية الشّموليّة" التي سعت لفرض نموذج أحادي على الكوكب منذ تسعينيات القرن الماضي، ومشروع "السّيادة القوميّة والهُويّة الحضاريّة" الذي يرى أن استمرار التوسّع الإمبراطوري لواشنطن يعني تفريغ المجتمع الأمريكي من مضمونه الأخلاقي والاقتصادي. تأتي انتخابات التّجديد النّصفي كأهم ساحة اختبار واشتباك ميداني بين هذين المعسكرين، إذ تترجم التّناقضات الفلسفيّة المجرّدة إلى مقاعد تشريعيّة، موازنات ماليّة، وسلطة رقابيّة تحدّد مصير التحوّل نحو عالم متعدّد الأقطاب. التفكيك الفلسفي للصّراع الأمريكي الدّاخلي تقويض «الإمبراطورية الليبرالية» واستعادة الدّولة القوميّة قامت الهيمنة الأمريكيّة بعد نهاية الحرب الباردة على فرضيّة "نهاية التاريخ"، حيث اعتبرت النّخبة العولميّة أنّ الديمقراطية الإجرائية واقتصاد السّوق المفتوح وسياسات الهُويّة التقدميّة تمثّل المحطة الأخيرة للبشريّة. غير أنّ ولادة التّيار الشّعبوي السّيادي داخل الولايات المتحدة قلبت هذه المعادلة، حيث تبلورت قناعة لدى قطاعات واسعة من المجتمع بأنّ التوسّع الخارجي وتمويل التحالفات العابرة للقارات لم يجلبا سوى استنزاف الثروة الوطنيّة وافقار الطّبقة الوسطى. هذا التحوّل يعني عمليًّا الانتقال من مفهوم "أمريكا كإمبراطورية ورأس حربة للعولمة" إلى مفهوم "أمريكا كدولة-أمة عظمى" تحمي حدودها، وتعيد بناء قاعدتها الإنتاجيّة، وتتعامل مع العالم بمنطق المصالح الملموسة لا التبشير الأيديولوجي. وهنا تبرز الجغرافيا السّياسيّة في صدام "الهارتلاند" مع السّواحل عبر تطبيق قواعد الجيوبوليتيك الكلاسيكي على الجغرافيا الأمريكيّة، ينكشف الصّراع بين بيئتين متنافرتين: الأطراف الساحليّة وتتركز في نيويورك، واشنطن، والساحل الغربي، وهي معاقل الرأسماليّة الماليّة، الشّركات التكنولوجية العابرة للحدود، والمؤسّسات البيروقراطية المنخرطة في هندسة التحالفات والتدخلات الخارجية. مقابل قلب اليابسة الأمريكي (الهارتلاند): في ولايات الوسط وحزام الصدأ والمناطق الريفية والجنوبيّة، حيث تتجذّر قيم العمل الانتاجي الحقيقي، التمسّك بالدّين والأسرة، والولاء القومي المباشر. تمثّل التيارات السّياديّة انتفاضة صريحة لـ "القلب" ضد وصاية "السواحل"، وهي حركة ترفض تهميش الداخل الصناعي والزراعي لحساب شبكات المال والإعلام المعولمة بالمقابل يظهر الصّراع الوجودي على جبهة الهُويّة تجاوز النّزاع الملفات الاقتصادية ليدخل حيز "الحرب الثقافية"، إذ يواجه المجتمع انقسامًا حادًّا بين تيار يسعى لتفكيك الرّوابط الطبيعيّة كالعائلة والهُويّة القوميّة بدعوى التقدمية، وتيار محافظ يرى في هذا التفكيك تهديدًا وجوديًّا للتّماسك المجتمعي. من هنا، أصبحت السّياسة الأمريكيّة تعبيرًا عن دفاع عن البقاء الحضاري في وجه النسبيّة الأخلاقيّة المفروضة مؤسّسيًّا. انتخابات التجديد النصفي بوصفها معركة كسر عظم مؤسّسية، في هذا السّياق، لا تعد انتخابات التجديد النّصفي حدثًا اجرائيًّا عاديًّا، بل هي حرب خنادق مؤسّسيةّ تهدف إلى حيازة أدوات الدّولة الصّلبة وتوظيفها حيث يمنح الدّستور الأمريكي الكونغرس سلطة حصريّة على الموازنة العامة، مما يجعل السّيطرة التّشريعيّة أداة مباشرة للضّغط نحو تقليص التّمويل المفتوح للنزاعات الخارجيّة والتّحالفات الأمنيّة الدّوليّة، وتوجيه الموارد بالأساس لحماية الحدود وضبط الهجرة والأمن الداخلي. بالمقابل المواجهة مع البيروقراطية المستقرة "الدولة العميقة" حيث لا تكتمل قدرة أي تيار سيادي على تنفيذ مشروعه دون ظهير تشريعي يمتلك صلاحيّة تشكيل لجان التحقيق الرقابيّة لمساءلة مسؤولي الأجهزة الفيدراليّة، والتحكّم في مسار التعيينات القضائيّة التي تشكّل البنية الدستورية للبلاد لعقود مقبلة. يعكس مسار انتخابات التجديد النصفي لعام 2026 وصول هذا الاستقطاب المؤسّسي إلى ذروته، إذ أفرزت النتائج واقعًا سياسيًّا جديدًا أنهى السّيطرة الموحدة السّابقة وأعاد خلط الأوراق داخل غرفتي الكونغرس: من جهة تكريس حالة "الحكومة المنقسمة" والشلّل التشريعي: إن تبدل الأغلبية أو تفتتها داخل الكونغرس يحوّل واشنطن إلى حالة من الجمود المؤسّسي، حيث تتحوّل سلطات الرقابة والموازنة إلى أسلحة لتعطيل المراسيم التنفيذيّة وعرقلة التّشريعات الكبرى المتعلّقة بالرّسوم الجمركيّة، سياسات الإنفاق، وضبط الحدود. بينما يضغط التيار القومي نحو الانكفاء وتقليص الالتزامات الدولية والابتعاد عن الحروب بالوكالة، يدفع المعسكر المقابل داخل أروقة التّشريع نحو التمسّك بالتحالفات التقليديّة والالتزامات الدوليّة، مما يخلق سياسة خارجيّة متذبذبة تبعث برسائل متناقضة إلى الحلفاء والخصوم على السواء. المفارقة الكبرى تكمن في أنّ هذا الانقسام الداخلي المستحكم يخدم بشكل موضوعي وتلقائي تسريع الانتقال نحو عالم متعدّد الأقطاب. فالولايات المتحدة، وهي غارقة في صراع مؤسّسي داخلي واستنزاف سياسي متبادل، تفقد تدريجيًّا قدرتها على ممارسة الهيمنة الأحاديّة والقيادة الكوكبيّة الصّارمة، مما يتيح للقوى الصاعدة في أوراسيا وآسيا والجنوب العالمي مساحة استراتيجيّة واسعة لتثبيت نفوذها وبناء فضاءاتها الإقليميّة المستقلة. القراءة العربية والفلسطينية: الدلالات السّياسيةّ والمعادلة التّحالفية مع اسرائيل تكتسب هذه التبدّلات أهميّة وجوديّة في الحسابات الاستراتيجيّة العربيّة والفلسطينيّة، إذ تتجاوز مسألة تبدّل الوجوه الحزبيّة إلى اعادة تفكيك أركان العلاقة العضويّة بين واشنطن وتل أبيب: المأزق الإسرائيلي مع اهتزاز الدعم غير المشروط شكّل التوافق الحزبي التقليدي الصّخرة التي استندت إليها السّياسة الإسرائيليّة في واشنطن لعقود. غير أنّ نتائج الانتخابات النّصفية وعودة صيغة "الحكومة المنقسمة" تكشفان عن تشققات هيكليّة تصعّب الحفاظ على شيكات مفتوحة لتل أبيب. صعود الجناح التقدّمي الديمقراطي: تشهد الأغلبيّة الديمقراطيّة في مجلس النواب تصاعدًا لصوت القواعد الشبابيّة واليسار التقدّمي الذي بات يربط المساعدات العسكريّة بملفات حقوق الإنسان والمساءلة الجنائيّة الدوليّة، رافضًا سياسات الاستيطان ومحاولات تصفية القضيّة الفلسطينيّة. يتبنى جناح "أمريكا أولًا" رؤية تبحث عن تقليص الفواتير الخارجيّة وتجنّب الانجرار إلى حروب شرق أوسطيّة استنزافيّة خدمةً لأطراف اقليميّة، ممّا يجعل الدّعم المطلق محل مراجعة شعبيّة وحسابات تكلفة وعائد، وان ظل التماسك الخطابي محافظًا على ولائه الظّاهري. تفكيك احتكار القرار وتحجيم التوسّع الإقليمي إن وجود كونغرس منقسم أو معارض للإدارة يحدّ من قدرة البيت الأبيض على منح تل أبيب تغطية سياسيّة وقانونيّة مطلقة دون مساءلة. تتيح السّيطرة على اللّجان المختصة في الكونغرس مساحة لإبطاء أو اخضاع صفقات التّسليح لتدقيق رقابي غير مسبوق، وفتح جلسات استماع تسلّط الضّوء على تداعيات السّياسات الإسرائيليّة في الأراضي المحتلة. يضعف الشّلل التّشريعي في واشنطن قدرتها على قيادة مسارات تطبيع فوقيّة تتجاوز الحقوق الفلسطينيّة الأساسيّة، ويجبر العواصم الإقليميّة على اعادة تقييم جدوى الرّهان الحصري على مظلّة الحماية الأمريكيّة. أفق الفرصة الاستراتيجيّة فلسطينيًّا وعربيًّا تفرض هذه التحوّلات قراءة واقعيّة بعيدة عن المراهنة على النّوايا الأمريكيّة، بل تقوم على استثمار اللّحظة الجيوسياسيّة: انشغال واشنطن بنزاعاتها الداخليّة وعجزها عن ممارسة الوصاية الأحادية، تنفتح أمام الدبلوماسيّة العربيّة والفلسطينيّة هوامش أوسع للتحرّك بالّتنسيق مع مراكز القوى الدوليّة الصّاعدة (كالصين وروسيا وتكتل بريكس والجنوب العالمي) لتثبيت القرارات الأمميّة وفرض حماية دوليّة. أظهرت مسارات التّصويت تزايد تأثير الصّوت العربي والإسلامي والحركات الطلابية المناهضة للاستعمار ككتلة انتخابية مرجحة في الدوائر الحساسة، مما يجعل كسر الاحتكار الصهيوني للقرار الأمريكي مسارًا نضاليًّا تراكميًّا ممكنًا داخل السّاحة الأمريكيّة ذاتها. تؤكّد التحوّلات الجيوسياسيّة الرّاهنة أنّ الصّراع في واشنطن لم يعد منافسة على ادارة البرامج العامة، بل هو استنزاف تاريخي بين مشروعين عالمي وقومي لا يلتقيان. وسواء مالت الكفّة التّشريعيّة لهذا الطّرف أو ذاك، فإنّ النّتيجة الحتمية على رقعة الشّطرنج الدّوليّة هي أنّ مركزيّة القرار الأوحد قد انكسرت؛ فالولايات المتحدة المقيّدة بتناقضاتها الهيكليّة لم تعد قادرة على فرض ارادتها المطلقة، مفسحة المجال أمام تشكّل توازن قوى عالمي جديد يستند إلى تعدّدية الأقطاب وتنوّع الكتل الحضاريّة، وهو ما يمنح العالم العربي والقضيّة الفلسطينيّة فرصة تاريخيّة للفكاك من أسر الأحادية واستعادة زمام المبادرة الوطنيّة.
المصدر: وكالة القدس