الجيش الجزائري لدعم الاستقرار في مواجهة قوى الشر والخراب
تتحدد استراتيجية الدول الكبرى غالبا بقدرتها على قراءة المخاطر الاستباقية وحماية أمنها القومي في عمقها الإقليمي الحيوي. وفي هذا السياق، يأتي قرار الجزائر إرسال وحدات من الجيش الوطني الشعبي إلى دولة النيجر الشقيقة، استجابة لطلب رسمي من الدولة الجارة، وتجسيدا لحتمية الجغرافيا والمصير المشترك. غير أن هذا التحول الميداني يعيد طرح النقاش حول الفارق الجوهري بين عقيدة الجيوش التي تنشد تثبيت الأمن والاستقرار، وبين أجندات القوى والمليشيات التي تعيث فسادا وخرابا في فضاء الساحل الإفريقي. إن دعم الجزائر للشعوب المستضعفة والوقوف إلى جانبها ليس سلوكا دخيلا على سياستها أو وليد ظرف طارئ، بل هو امتداد طبيعي لعقيدة راسخة جعلت من الجزائر على الدوام “قبلة الثوار ومكة الأحرار”. فتاريخ الجزائر الناصع يعج بمواقف العزة ومناصرة قضايا التحرر في إفريقيا والعالم، من فلسطين إلى الصحراء الغربية. فالجزائر كانت دوما صمام أمان الساحل، ولعل أبرز شواهده رعاية “اتفاق الجزائر للسلام والمصالحة في مالي سنة 2015″، الذي نجحت الجزائر من خلاله في وأد حرب أهلية طاحنة وجنحت بالمنطقة نحو سلم واستقرار دائمين لسنوات، إلى غاية بروز التطورات السياسية اللاحقة التي أدت بسلطات باماكو إلى إعلان إنهاء العمل بالاتفاق في مطلع عام 2024. واليوم، يأتي هذا التحرك امتدادا لذلك الإرث المشرف في الشد على أيدي الشعوب الشقيقة لمحاربة قوى الشر والعمالة التي تسعى باستماتة لنهب خيرات القارة السمراء، وإبقاء مقدراتها رهينة لأجندات شيطانية تستهدف إفقار شعوبها وتدمير استقرارها. وانطلاقاً من هذا الثابت، يذهب البعض إلى طرح مغالط مفاده أن الجزائر، بهذه الخطوة، قد تخلت عن أحد أعمدة مبادئ سياستها الخارجية المتمثل في حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، غير أن هذه القراءة تقفز على الواقع وتتجاهل طبيعة التحديات الوجودية؛ فالنيجر ليست سويسرا، ولا تعيش في رفاهية الاستقرار والرخاء الأمني، بما يجعلها غنية عن وجود مثل هذه الوحدات العسكرية المتعاونة لدعم أمنها واستدامة استقرارها، بل تضربها عواصف الانقلابات المتتالية التي لا تعرف لها موعدا، وكان آخرها الاضطرابات المتسارعة بعد زيارة الوزير الأول النيجري للجزائر في أوت الماضي (وتلتها زيارة رئيس المجلس العسكري عبد الرحمن تياني في فيفري 2026). فضلا عن هذه الحاجة العسكرية والمتطلب الأمني، فإن الحقيقة التي يغض عليها الطرف أصحاب التساؤل، هي أن هذه القوى والتشكيلات الأجنبية المتواجدة في المنطقة (كالروسية والفرنسية والتركية) لا تربطها بإفريقيا أو بالساحل أي علاقة جغرافية ولا سكانية، في حين أن الجزائر هي الدولة الجارة الأصيلة التي تجمعها بدول الساحل جميعها روابط ديموغرافية وإثنية مشتركة؛ فهي تتقاسم معها عائلات وقبائل عريقة موزعة على جانبي الحدود. هذا الترابط البشري والمجال الحيوي يجعل أمن النيجر امتدادا مباشرا للأمن القومي الجزائري، ويجعل من تهمة التدخل وصفا مستغربا، ليضع الخطوة في إطارها الحقيقي كاستجابة سيادية لمطلب شرعي ينضبط لمنطق الشراكة الأمنية المشتركة. إن المتأمل لطبيعة التحرك الجزائري يدرك أنه يعكس رسالة واضحة أن الجيش الجزائري جيش ينشد استقرار الدول المجاورة ويشد على أيدي أشقائها لتثبيت الأمن وقطع دابر الفوضى. وفي المقابل، تقف قوى ومليشيات من شتى الأصقاع؛ بدءا بالتواجد العسكري الأجنبي (الروسي، والفرنسي، والتركي)، وصولا إلى المليشيات والجماعات الوظيفية التي تمولها الإمارات تحت مخطط الكيان الصهيوني وبدعم مغربي مباشر، وهي كيانات ومليشيات تقتات على جيف المخدرات، والإرهاب، وتجارة البشر لصناعة الخراب وإبقاء منطقة الساحل رهينة للاستنزاف الممنهج. ولم تأتِ هذه التطورات من فراغ، فلقد جاءت تتويجا لمسار من التآمر الإقليمي، انطلق إثر حادثة إسقاط الدرون المالية (التركية الصنع) على الحدود في الأراضي الجزائرية في 01 أفريل 2025. هذه الحادثة التي استُخدمت كذريعة لشن هجوم سياسي على الجزائر، وقطع دولة مالي علاقاتها الدبلوماسية مع الجزائر في إطار تصعيد متسلسل، تلاه تحرك مشبوه ومفتعل لدول الساحل الثلاث من أجل خلق تضامن مصطنع موجه ضد الجزائر. حينها سعت أطراف دولية وإقليمية، وفي مقدمتها المغرب والكيان الصهيوني، لتكريس هذا التكتل؛ حيث استضاف المغرب وزراء خارجية الدول الثلاث بتاريخ 28 أفريل 2025، وكان في استقبالهم بالرباط الملك محمد السادس شخصيا، مبينا حضورا إماراتيا في المنطقة من خلال محفظة المال القذر الذي تنفقه دويلة الشر في محاولتها البائسة لتشكيل حلف موجه لتقويض الدور الدبلوماسي التاريخي الذي ظلت الجزائر تلعبه لحفظ استقرار المنطقة. ولم يتردد النظام المغربي في توظيف أوهام جغرافية واقتصادية، مثل الترويج لما سُمي بـ”أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي”، وهو “مشروع ضرار” لم يقم على دراسة جدوى حقيقية. ورغم إدراك المخزن المغربي التام بأن إطلاق مشروع وهمي بهذا الحجم دونه استحالة مطلقة، لكونه يفترض عبور 14 دول إفريقية، بما يتطلبه من تمويل، ومن تفاهمات، ومن تشتت لقيمة المشروع، هذا قبل وصوله إلى أوروبا! غير أن هدف النظام المخزني لم يكن الجدوى الاقتصادية وحقيقة التجسيد، بل ظل منصبا على مناكفة الجزائر والتشويش على مكانتها الطاقوية إعلاميا لا غير. وسط هذا المشهد الإقليمي الملتهب الذي يطبعه تكتل دول الساحل الثلاث ضد الجزائر، وتكالب قوى الشر والعمالة عبر شبكات الإرهاب والمخدرات وأجندات “حلف الشر الثلاثي” (الإسرائيلي – الإماراتي – المغربي)، تبرز التقييمات الميدانية والاستخبارية للجزائر بمدى خطورة التهديدات المتربصة بالحدود الجنوبية. وإلى جانب البعد العسكري البحت، تثبت هذه المعطيات حقيقة استراتيجية راسخة مفادها أنه لا يمكن لأي دولة أن تكون آمنة واستثماراتها الحيوية في دولة جارة تحت خطر محتوم ودائم؛ فأمن أنابيب الغاز ومشاريع الطاقة الكبرى في العمق الإقليمي لا يمثل مكسبا اقتصاديا فحسب، بل يتحول بحكم أهميته الحيوية لأوروبا إلى ملف أمني دولي لا يعني الجزائر وحدها، إذ ستكون القارة الأوروبية بدورها في صدارة الأحرص على حماية هذا الشريان الطاقوي الاستراتيجي، قطعا لأي محاولات ابتزاز أو عبث استراتيجي. وفي خضم هذه التحديات المزدوجة، تثير بعض الأصوات تخوفات مشروعة من مغبة سحب الوحدات الجزائرية إلى مستنقع حرب استنزاف في منطقة تعتبر رواقا قاريا مفتوحا من المحيط الأطلسي غربا إلى البحر الأحمر والمحيط الهندي شرقا. غير أن العقيدة الأمنية للجزائر تدرك جيدا أن وضع “الانتظار” والبقاء خلف الحدود أصبح هو الخيار الأخطر على الأمن القومي الجزائري وعلى الساحل ككل. إن تبلور هذا الخطر واستشراء هذا السرطان الجيوسياسي بفعل الفوضى الممنهجة يفرض حتمية تفكيك الأزمة في مهدها وفي بؤرتها؛ فالتردد سيترك الجزائر تندم غدا لعدم تحركها المبكر. ومن هنا يأتي نشر الوحدات في النيجر كخطوة دفاعية استباقية مستشرفة، مدروسة بعناية، لتقطع الطريق أمام محاولات نقل الفوضى إلى داخل التراب الوطني الجزائري، وتجعل من العمق الإقليمي خط دفاع أول لحماية الاستقرار، وصون السيادة، وحراسة شرايين الاقتصاد والطاقة. تؤكد هذه الخطوة الاستراتيجية أن الجزائر تدرك تماما نبض جغرافيتها ومسؤوليتها التاريخية. فالجيش الجزائري ما كان يوما صانعا للخراب، بل هو جيش استقرار، ودرع حصين، وقوة إقليمية تزاوج بين دبلوماسية السلم واليقظة الدفاعية الاستباقية؛ لتأمين العمق الإقليمي وصون المصالح الطاقوية والاستراتيجية.
المصدر: الشروق