“سيلا 2026″… الذكاء الاصطناعي يفتح آفاقا جديدة للتعليم والتعلّم
أماط الصالون الدولي للكتاب في الجزائر “سيلا 2026” اللثام عن جملة من الحلول التقنية والمنصات الرقمية والإصدارات التربوية التي ستضع التلميذ على سكة الذكاء الاصطناعي ومواكبته بطريقة صحيحة في مساره التعليمي منذ المرحلة الابتدائية، وذلك مشاركة واسعة لعدد من الإصدارات الرقمية والمنصات التفاعلية المصممة بتقنيات ذكية تسعى إلى تطوير أساليب التدريس، وتبسيط المعارف، وتعزيز قدرات الاستيعاب والفهم لدى التلاميذ. لا يزال الصالون الدولي للكتاب 2026 بالجزائر، يصنع الحدث، سواء من حيث عدد زواره المعتبر أو من خلال تنوع فضاءاته، وأيضا بسبب تزامن آخر دوراته مع تطورات الذكاء الاصطناعي والرقمية، التي باتت بصماتها ظاهرة للعيان، خاصة في مجال الكتب الموجهة للتلاميذ وحتى للأساتذة، وهو ما رصدته “الشروق” خلال جولة لها في المعرض. شخصيات افتراضية لتبسيط المفاهيم التعليميّة وخلال زيارتنا لبعض الأجنحة المشاركة في الصالون، التي شهدت إقبالا لافتا من طرف الأولياء والتلاميذ وحتى الأساتذة الذين صادفناهم يجوبون أروقة المعرض بحثا عن إصدارات من شأنها أن تساعدهم على تلقين الدروس بشكل أسهل وإيصال المعلومة للتلميذ بطريقة أسرع، حيث لفتت انتباهنا تجارب تجمع بين الابتكار التربوي والتكنولوجيا الحديثة، لم يسبق عرضها خلال الطبعات السابقة من الصالون الدولي للكتاب. وفي سياق ذلك، التقينا بالأستاذة نعيمة بوتوت، باحثة في الابتكار التربوي وتطوير الوسائط التعليمية، التي تحدثت لنا عن تجربتها في تصميم وإنتاج وسائل تعليمية تستعين بالذكاء الاصطناعي، وتجمع بين القصص التفاعلية والوسائط الحسية والدروس المصورة، بهدف تطوير أساليب التعلم ومرافقة الطفل والمعلم بأدوات تعليمية مبتكرة. المنصات الذكية… الطفل بات شريكا في التعلم وأكدت بوتوت أن فلسفة هذه التجربة تقوم على التركيز على الطفل والتلميذ والمعلم، من خلال إعداد وسائط تعليمية تجمع بين ما هو مكتوب ومسموع ومرئي ومحسوس، بما يسمح للمتعلم بالتفاعل مع المحتوى التعليمي واستيعاب المفاهيم بطريقة أقرب إلى تجربته اليومية، وأوضحت أن هذا التوجه يهدف إلى جعل الطفل شريكا في عملية التعلم، من خلال المشاهدة والاستماع والممارسة والتطبيق، وهو ما يساهم في تنمية قدراته اللغوية والإدراكية، وخلق دافعية أكبر لديه نحو اكتشاف المعارف. وفي مجال تعليم اللغة، كشفت الباحثة عن توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في إعداد القصص والحكايات التعليمية، من خلال ربط المحتوى المسموع والمرئي بالمفردات والكلمات التي يتدرب الطفل عليها في أنشطة القراءة، بما يسمح بتعزيز التعلم عبر أكثر من حاسة، وتسهيل الانتقال من الاستماع إلى التعرف على الكلمات ثم قراءتها. وتشرح المتحدثة أن الطفل يستطيع مشاهدة القصة والاستماع إليها ومتابعة الكلمات والمفردات نفسها التي يجدها في جانب القراءة، وهو ما يوفر له فرصة متكررة للتعرف على الكلمات وترسيخها، ثم إعادة قراءتها تدريجيا بمساعدة الأولياء في البداية، إلى أن يكتسب القدرة على القراءة باستقلالية. وتعتبر هذه الطريقة، بحسبها، وسيلة لدعم التعلم الذاتي لدى الطفل، خاصة في المراحل الأولى، حيث يصبح المحتوى التعليمي متاحا أمامه في شكل قصة مرئية ومسموعة، تساعده على الربط بين الصوت والكلمة والصورة، وتمنحه فرصة التفاعل مع النصوص بطريقة أكثر تشويقا. ولا يتوقف توظيف الذكاء الاصطناعي عند القصص والحكايات، بل يمتد، بحسب المتحدثة، إلى إعداد دروس مصورة ومحتويات تعليمية موجهة للأساتذة، من خلال فيديوهات تقدم الدروس وفق منهجية تعليمية منظمة، ويمكن أن تتضمن شخصيات افتراضية تؤدي دور الأستاذ في شرح الدرس وتقديم المعلومات. وتسمح هذه الوسائط بتقديم المفاهيم بصورة مبسطة، والاستعانة بالعناصر البصرية والتطبيقية لتوضيح المعلومات التي قد يجد بعض التلاميذ صعوبة في استيعابها من خلال النصوص المكتوبة وحدها، كما توفر لهم فرصا إضافية لمراجعة الدروس وفهمها من خلال الجمع بين الاستماع والمشاهدة والتطبيق. وبخصوص آفاق المشروع، أوضحت المتحدثة أن الانطلاقة كانت من الطور الابتدائي، باعتباره المرحلة الأساسية في بناء المعارف والمهارات الأولى لدى الطفل، مع العمل على استكمال تطوير الوسائط التعليمية الموجهة لهذه الفئة، تمهيدا لتوسيع التجربة نحو الطورين المتوسط والثانوي. وأشارت إلى أن اهتمام أساتذة من مختلف الأطوار بهذه التجربة خلال مشاركتها في الصالون يعكس الحاجة إلى تنويع الوسائل البيداغوجية وتوفير أدوات تساعد على تقديم الدروس بطريقة تفاعلية، حيث يطرح عدد من المعلمين تساؤلات حول إمكانية الاستفادة من المنهجية نفسها في تدريس مواد ومفاهيم أخرى. وأكدت أن التوجه المستقبلي يقوم على تطوير محتويات تعليمية تراعي خصوصية كل مرحلة دراسية، وتستجيب لطبيعة المواد والكفاءات المطلوبة فيها، مع الحفاظ على المبدأ الأساسي الذي تقوم عليه التجربة، المتمثل في الجمع بين الجانب الحسي والوسائل البصرية والمسموعة والتقنيات الرقمية، حتى يكون المحتوى التعليمي أقرب إلى احتياجات المتعلم. وعن طبيعة المحتوى الذي يحتاجه الأساتذة في المنصات والحلول التعليمية الرقمية، أوضحت أن المعلم يبحث بالدرجة الأولى عن الوسائل التي تساعده على إيصال المعلومة وضمان استيعاب التلميذ لها، من خلال طرق متنوعة تتماشى مع المنهج الدراسي وطبيعة الدرس. وأضافت أن دور الباحثين والمختصين في الابتكار التربوي يتمثل في الإصغاء إلى انشغالات الأساتذة والتعرف على الصعوبات التي يواجهونها في أثناء تقديم بعض المواد، وتحديد المفاهيم التي يجد التلاميذ صعوبة في فهمها، ثم البحث عن الوسائل المناسبة لتبسيطها، كما أكدت أن الأستاذ ليس مطالبا بالضرورة بتحديد الشكل التقني للوسيلة التي يحتاجها، وإنما يكفي أن يوضح طبيعة الصعوبة البيداغوجية التي يواجهها، حتى يتولى المختصون البحث عن الحلول المناسبة، سواء من خلال المجسمات والوسائل الحسية أم الصور والفيديوهات والمحتويات المسموعة، أم عبر توظيف الذكاء الاصطناعي في إعداد أدوات تعليمية أكثر تفاعلية. وشددت على أن الهدف من هذا العمل هو تبسيط المعارف والمعلومات، وتنويع طرائق الوصول إليها، ومساعدة التلميذ على اكتساب الكفاءات المطلوبة في وقت أقصر وبطريقة أكثر سهولة، مع تمكين الأستاذ من وسائل إضافية تدعم عمله داخل القسم وتساعده على مراعاة الفروق الفردية بين المتعلمين. وفي حديثها عن مستقبل الذكاء الاصطناعي في المجال التربوي، أكدت المتحدثة أن هذه التكنولوجيا أصبحت واقعا يفرض مواكبته والاستفادة من إمكاناته، مشيرة إلى أهمية توجيه استعمالها نحو الأهداف التعليمية والتربوية، بما يجعلها أداة مساعدة في البحث والفهم واكتساب المعارف. وقالت: “إن الذكاء الاصطناعي، مثل مختلف التكنولوجيات الحديثة، يحمل إمكانات إيجابية يمكن استثمارها في تطوير التعليم، غير أن الاستخدام الأمثل له يقتضي معرفة كيفية توظيفه وتوجيهه، خاصة لدى الأطفال والتلاميذ، حتى يستفيدوا منه في مسارهم الدراسي وفي إنجاز بحوثهم وفهم دروسهم”. وأضافت أن الاعتماد عليه بنسبة كاملة ليس هو التوجه الصحيح، لأن العملية التعليمية تقوم على العلاقة الإنسانية بين الأستاذ والتلميذ، وهي علاقة تتجاوز نقل المعلومات والمعارف إلى التحفيز والتشجيع والتوجيه ومراعاة خصوصية كل متعلم. كتب مدرسية تحولت إلى فضاءات تعليمية تفاعلية وخلال جولتنا بالمعرض، توجهنا مباشرة نحو جناح خاص بمنشورات “المُرشد” التي تختص في إصدار كتب تعليمية موجهة للتلاميذ من مختلف الأطوار، حيث وقفت “الشروق” على تجربة أخرى في مجال توظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في التعليم، من خلال كتب ذكية موجهة لتلاميذ الطور الابتدائي، تجمع بين الكتاب الورقي والتطبيقات الرقمية الناطقة، بهدف جعل تعلم اللغات أكثر تفاعلا ومساعدة الطفل على اكتساب مهارات القراءة والاستماع والنطق الصحيح، حيث لفت انتباهنا بعض الكتب التي تم ربطها بمنصات رقمية، لتسهيل عملية التعلم من طرف التلميذ دون حاجته إلى معلم أو أستاذ لشرح مفاهيم الدرس، أين يعتمد فقط على التوجيهات الخاصة بـ”الروبوت” الناطق للإجابة عن استفساراته ومنحه المزيد من المعلومات. وأوضح ممثل جناح منشورات المرشد الجزائري، أن الدار تعمل على تقديم برنامج تعليمي خاص باللغة الإنجليزية، موجه لتلاميذ السنوات الثالثة والرابعة والخامسة ابتدائي، يعتمد على تطبيق إلكتروني ناطق يرافق الكتاب المدرسي، ويسمح للطفل بالاستماع إلى الكلمات والتعرف على طريقة نطقها، مع الاستفادة من ترجمة المحتوى إلى اللغة العربية لتسهيل الفهم واستيعاب المفردات. وتندرج هذه التجربة، بحسب المتحدث، ضمن التوجه نحو إدماج الحلول التكنولوجية الحديثة في المقررات التعليمية، والاستفادة من الإمكانات التي توفرها التطبيقات الذكية والذكاء الاصطناعي لتطوير الوسائط البيداغوجية، وجعل الكتاب المدرسي فضاء تعليميا يتجاوز القراءة التقليدية إلى الاستماع والتفاعل والتدرب. وأكد قائلا: “هذه الوسائل لا تهدف إلى تعويض الأستاذ، وإنما إلى تدعيم عمله وتوفير أدوات إضافية تساعد التلميذ على فهم الدروس ومراجعتها، كما تمنح الأولياء فرصة مرافقة أبنائهم في تعلم اللغات، خاصة أن البرنامج المدرسي المترجم إلى العربية يساعد الطفل على استيعاب ما يقرأه، بالتوازي مع اكتساب مهارات النطق باللغة الأجنبية”. وشدد المتحدث على أهمية الجانب السمعي في تعلم اللغات، باعتبار أن الاستماع المتكرر يشكل أساسا لاكتساب النطق الصحيح والتعود على مخارج الحروف، وهو ما يفسر اعتماد التطبيق الناطق ضمن هذه الكتب الذكية، حتى يجمع الطفل بين الكلمة المكتوبة ومعناها وطريقة لفظها، في تجربة تعليمية توظف التكنولوجيا لخدمة التعلم وتطوير قدرات المتعلمين منذ السنوات الأولى من التمدرس. ويبدو أن الذكاء الاصطناعي، سيكون شريكا مهما في عملية التعليم والتعلم مستقبلا، يساعد التلميذ وأستاذه على الاستيعاب التفاعلي السريع وعلى توصيل المعلومة بطرق سلسة وأكثر وضوحا ودقة.
المصدر: الشروق