شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

عشان عيونك يا أمينة (2)

عشان عيونك يا أمينة (2)

مُزنة المسافر ريش متطاير وسط المقهى، قرر الببغاء الذي يملكه حسب الله كوكتيل أن يخلق الفوضى، وأن يعم المكان بالإزعاج، وأن يصدح قويًا: كوكتيل، كوكتيل.. مش عبيط! مش عبيط! فكَّر كوكتيل أن الببغاء غاضب لأن أكله لم يصل، أو ربما لأن حسب الله كوكتيل لم يبع منذ أيام أي بطاقة لليانصيب، وأنه ليعيش جيدًا ويأكل ببغاءه أكل لذيذ لابد أن تُباع بعض بطاقات اليانصيب، لكن وسط هذه الحياة الصعبة من عاد يؤمن بالحظ والبخت العظيم يا رفاق؟ من عاد يؤمن أن هذه الحياة فيها أمل بعيد أو أحلام قد تتحقق بالتأكيد، لكن الببغاء يصر أنه ليس غبيًا وأن صاحبه بالطبع ليس قليل الحيلة، وأن حركته وعبثه بأعصاب المعلمة تفيدة في قهوة السعادة قد تجعلها تُخرج بعض الجنيهات وتقدمها للببغاء وكأنه طفل منتظر لعطية ما. المِعلِّمة تفيدة طلبت من أمينة أن تُحضر الأكل للببغاء المجنون، لأنها لا تتحمل بكاءه وصراخه هذا، وحين عادت أمينة بصحن فيه بعض اللب للببغاء وفول بالزيت الحار في وعاء صغير تقدمه لحسب الله كوكتيل. شكرها كوكتيل، وطلب من الببغاء أن يصمت لوهلة. كوكتيل: ما خلاص يا سيكو.. بلاش دوشة! سيكو يُهَمْهِم وكأنه يتذمر من جديد لكنه في دواخله سعيد بصحن اللِّب، يا له من يوم، هل عاد الحظ وتحرك دولابه من جديد؟ تحرك الببغاء وهو ينظر لعيني أمينة الجميلتين وهو مندهش لكرمها الكبير بينما حسب الله كوكتيل يُخرج من حقيبته تلك بطاقات اليانصيب ويفرشها على طاولة قرب النافذة الكبيرة. وضع كل واحدة بعناية، وتفحص البعض، وقدم واحدة لأمينة، طلب منها أن تأخذها لأنها البطاقة الرابحة، هو متأكد من ذلك، إنها الأرقام المحظوظة المختبئة خلف خط رمادي لا بُد أن تمسحها عملة صغيرة، نقد من القروش النحاسية؛ فيغيب النحس عن حياتك، ويدخل مكانه الحظ الذي تود أن يُقدم إليك في كل لحظات الحياة القادمة. لم يقل كوكتيل الكثير. خرج مع ببغائه الذي يجلس على كتفه، وغاب بعيدًا عن المقهى والطريق والعابرين بجدية لكل دروب الحي. وضعت أمينة البطاقة في جيب صغير بين ثنايا فستانها الأزرق، وتمنت أن لا يرى أحد هذه البطاقة. جدة أمينة- واسمها عيشة- تتحرك بعصا حول مساحة صغيرة في شقة ممتلئة بالأغراض والذكريات، نظرت نحو الباب، مفتاح يتحرك بخفة ليشرح صدر عيشة حين ترى أمينة قادمة من المقهى. عيشة: اتأخرتي كده ليه يا أمينة؟ أمينة: اعمل إيه يا سِتِّي، خالتي تفيدة قلبت الدنيا على دماغي، عايزاني اشتغل بالليل! عيشة: حنقول إيه، دي خالتك تفيدة بتحب الفلوس ومالهاش صاحب! أمينة: قوليلي.. محضَّرة لي الأكل؟ على السفرة، تنشغلُ أمينة بالتفكير، تغرق كثيرًا، كيف ستعمل ليلًا بعد نهار طويل، أحلام تلعب بشوكة وتطعن الطعام فوق الطبق، وتشمئز من الأكل قائلة. أحلام: مش عايزة أكل! أمينة: كُلي يا لومة واسكتي! أحلام: شايفة يا ستي أمينة بتزعلني إزاي! عيشة: أمينة معاها حق، بتشتغل وبتتعب يا عيني عشان تجيب لنا كل ده، وإنتي ما بتعرفيش تُشكري. أشاحت أحلام بوجهها عن السفرة، ونظرت نحو التلفزيون الصامت، صوره متحركة دون صوت واضح، وجلست على الكنبة هناك. دخلت أمينة غرفة ضيقة، واقتربت من خزانة ملابس، فتحت سريعًا درجًا ما، ووضعت فيه بطاقة اليانصيب، وأخفتها أسفل قطعتين من الثياب، أرادت أن يكون هذا الحظ لها وحدها فقط دون أن تجده أحلام أو جدتها عيشة أو حتى أن تزورهم خالتها تفيدة لتتفحص المكان. جلستْ على السرير، وقد مضت أيامٌ كثيرة والأرزاق لا تأتي مستعجلة وقد تأتي بعد صبر طويل، وهل ستصبر أكثر؟، لقد صبرت كثيرًا، ونامت وحيدة بين أفكارها المليئة بالعتب على حال لا يتغير أبدًا، إنها تريد أن يكون لها الخلاص، وهل سيأتي الخلاص البكرة؟، من يا ترى عنده أدنى فكرة؟

المصدر: الرؤية