الديمقراطية وتقلباتها
فوزي عمار في البداية كانت الديمقراطية في أصلها اليوناني كلمةً مذمومة تعني حكم الغوغاء والفوضى، وكان الفلاسفة كأفلاطون وأرسطو ينظرون إليها بريبة. ومن كلمة سيئة تحسنت كلمة الديمقراطية وأصبحت لامعة في العصر الحديث بعدما حلت مشاكل الصراع على السلطة بشكل سلمي عبر صناديق الاقتراع بدلاً من الانقلابات والدماء، فصارت معياراً للشرعية والاستقرار. ومما يثير المفارقة أن الدستور الأمريكي، الذي يُنظر إليه اليوم كأحد أعمدة الديمقراطية الحديثة، لا يذكر كلمة "الديمقراطية" مطلقاً. فقد كان الآباء المؤسسون متوجسين من حكم الغوغاء ومن طغيان الأغلبية، فصمموا نظاماً جمهورياً يقوم على التمثيل وفصل السلطات والرقابة المتبادلة، لا على حكم الأغلبية المباشر. وهذه المفارقة لا تنقص من قيمة التجربة الأمريكية، بل تكشف أن الديمقراطية لم تُولد جاهزة ولا لامعة، وإنما تشكّلت عبر تقلبات تاريخية طويلة، تماماً كما يوحي عنوان هذا المقال. لكن هذه الرحلة الطويلة من الذم إلى اللمعان لم تكن خطاً مستقيماً. فالديمقراطية ليست نظاماً جاهزاً ولا وصفة سحرية؛ بل تجربة إنسانية مفتوحة على التقلبات. تتقدم حين تتسع المشاركة، وتتراجع حين تضيق فضاءات الحرية، وتتغلب عليها النخب، أو تُختزل في صناديق اقتراع تُفرغ من مضمونها كلما غاب القانون واستُهين بالمواطن. في تاريخها الحديث أثبتت الديمقراطية قدرتها على تحويل الصراع على السلطة من ساحة للحسم العنيف إلى مسار للإدارة السلمية للاختلاف. فبدل أن يحسم الخصوم خلافهم بالدم، يحسمونه بالتصويت، وبدل أن يورّث الحاكم سلطته، يحاسب على أدائه. وهذه ميزة ليست صغيرة: إنها تعني أن الخلاف السياسي لم يعد تهديداً لبقاء الدولة، بل جزءاً من حياتها الطبيعية. غير أن التقلبات لا تأتي من الخارج فقط. فالديمقراطية قد تنهار من داخلها حين تتحول الأغلبية إلى غوغاء جديدة، وحين يُستبدل النقاش العام بالشعارات، والبرامج بالوعود، والحقائق بالشائعات. وقد تنكسر حين تُختزل في انتخابات دورية تُنتج حكومات بلا رقابة، أو حين تُضعف المؤسسات لصالح الزعامات الفردية. هنا تعود الكلمة إلى بعض من ظلالها القديمة، "فالكلمة لها معنى وظلال المعنى": لا بمعنى حكم الشعب، بل بمعنى حكم الجمهور المُدار بالعاطفة والخوف. لذلك فإنَّ السؤال اليوم ليس: هل الديمقراطية أفضل من غيرها؟ فهذا سؤال حسمه التاريخ عملياً. السؤال الأصدق: كيف نحمي الديمقراطية من تقلباتها؟ والجواب يبدأ من أمور أقل بريقاً مما نتصور: مؤسسات مستقلة، وقضاء عادل، وإعلام حر، وتعليم يُنشئ مواطناً ناقداً لا مريداً، وأحزاب تعود إلى الشارع لا إلى المكاتب المغلقة. الديمقراطية لا تعيش بالشعارات، بل بالإجراءات الصغيرة اليومية: شفافية، ومحاسبة، وتداول سلمي للسلطة، واحترام للأقليات. وإذا كانت الديمقراطية قد تحسنت من كلمة مذمومة إلى معيار للشرعية، فإنها اليوم مُهددة بأن تعود إلى صورة سيئة من باب آخر: حين تصبح شكلاً بلا روح، وحين يرى المواطن أنَّ صوته لا يغيّر شيئاً. عندها لا تنتصر الديكتاتورية بالضرورة، بل تنتصر اللامبالاة، وهي أخطر من كل انقلاب. إنَّ أعظم ما في الديمقراطية أنها قابلة للتصحيح. لكنها لا تُصحّح نفسها تلقائياً. تحتاج إلى من يحميها: مواطن واعٍ، ومؤسسة قائمة، وقانون لا ينحني. وهنا يبقى الدرس الأهم: الديمقراطية ليست حكماً للشعب فقط، بل مسؤولية الشعب أيضاً.
المصدر: الرؤية