سرّ الدفاع الفرنسي مرتبط فقط بأرشيف الثورة الجزائرية!
كشف تحقيق لصحيفة “لوموند” الفرنسية، أن العراقيل التي وضعت أمام المؤرخين لمنع وصولهم إلى الأرشيف الفرنسي، تستهدف بالأساس ذلك المتعلق بالتجاوزات الخطيرة التي وقعت أثناء الثورة التحريرية (1954 / 1962)، أو ما تسميها الأدبيات الفرنسية “حرب الجزائر”، فيما بدا توجها سياسيا على أعلى مستوى للتستر على الجرائم الاستعمارية الفرنسية في الجزائر. وقالت الصحفية في مقال لها صدر الأحد 11 أكتوبر الجاري، عبر موقعها على الأنترنيت، إن “حراس سرّ الدولة عادوا من جديد، وكأنهم يدخلون من النافذة، إذ فرضوا، خلف مظهر الانفتاح، مزيدا من الإغلاق”، في إشارة منها إلى الأرشيف الذي أصبح وقود معركة بين الباحثين والمؤرخين من جهة، والدولة العميقة في فرنسا من جهة أخرى. وأوضحت الصحيفة أن تقييد البحث العلمي يتم من خلال استمرار تقييد إمكانية الاطلاع على فئات معينة من الوثائق، سواء كانت مصنفة سرية أم لا، من خلال إخضاعها لمدة منع اطلاع تبلغ 50 سنة، قابلة للتجديد. وقالت “لوموند” إن المنع يتعلق بأربعة مجالات: المواقع الحساسة، مثل المؤسسات العقابية والمنشآت النووية والمواقع الدبلوماسية والمنشآت المائية، والعتاد الحربي، وتقنيات الاستخبارات، ووسائل الردع النووي.. وأشارت إلى أن القيود التي تم فرضها في هذا السياق، أصبحت تعرقل بشكل مقصود “البحث التاريخي بشأن بعض الانتهاكات التي ارتُكبت خلال حرب الجزائر، وينطبق ذلك على حالات اختفاء مناضلي جبهة التحرير الوطني الذين وقعوا في أيدي الجيش الفرنسي في الفترة الممتدة ما بين 1954 و1962.” وتطرقت في هذا السياق إلى أحكام قانون التراث المعدّل سنة 2008. ويتعلق الأمر بالحكم الذي يمنع الإطلاع، من دون أي حد زمني، على كل وثيقة تتضمن معلومات تتيح تصميم الأسلحة النووية أو البيولوجية أو الكيميائية أو تصنيعها أو استخدامها أو تحديد مواقعها. ويبدو في الظاهر أن خلفيات هذا المنع له علاقة بمخاطر انتشار أسلحة الدمار الشامل، غير أنه يمكن أيضا، تضيف “لوموند”، “إدراك ما ينطوي عليه من غاية ضمنية، تتمثل في تقييد البحث بشأن ممارسات تثير إشكالات خطيرة، ولاسيما لجوء الجيش الفرنسي في الجزائر إلى استخدام غازات سامة تحظرها الاتفاقيات الدولية”. واستشهدت في قراءتها هذه بالعراقيل التي يواجهها المؤرخ كريستوف لافاي، في تحقيقاته بشأن الحرب الكيميائية التي شنّها الجيش الفرنسي داخل الكهوف في الجزائر، مشيرة في هذا الصدد إلى أنه “في الوقت الذي كان فيه إيمانويل ماكرون يطمح إلى فتح أرشيف حرب الجزائر، في إطار سياسة جريئة لمعالجة الذاكرة التاريخية (ذاكرة الاستعمار الفرنسي في الجزائر)، وجد نفسه في مواجهة تيارات معاكسة داخل جهاز الدولة”. واستلهمت الصحيفة في دراستها إلى كلام للمؤرخ موريس فيس، المتخصص في الدبلوماسية والدفاع، الذي قال: “هناك رد فعل عكسي بشأن قضية الأرشيف، مرتبط بالمناخ العام السائد في المجتمع والسياسة في فرنسا. ونلاحظ التشدد نفسه في الديمقراطيات الغربية الأخرى، ولاسيما في الولايات المتحدة”. كما استحضرت “لوموند” المضايقات التي تعرض لها الضابط رومان شورون، رئيس قسم التاريخ العسكري بالأكاديمية العسكرية بسان سير كويتكيدان، بمدينة غير (Guer) في إقليم موربيهان، في عام 2019، حيث اقتحم رجال الأمن الداخلي الفرنسي، بيته على الساعة السادسة صباحا. وعلقت الصحيفة على الحادثة قائلة: “قضية الضابط والمؤرخ الفرنسي رومين شورون: عندما يصطدم سرّ الدفاع الوطني بأرشيف حرب الجزائر”، حيث اتهم الضابط بـ “اختلاس أو سحب أو إفشاء أو استنساخ أسرار الدفاع الوطني”، وهي جريمة بالغة الخطورة يعاقب عليها بالسجن لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات، وفق المصدر ذاته. وربطت “لوموند” هذه الحادثة بمحاولات الدولة الفرنسية تشديد شروط الإطلاع على الوثائق المصنفة سرية، ولاسيما تلك المتعلقة بحرب الجزائر، في تناقض مع الوعود التي قطعها إيمانويل ماكرون بشأن فتح الأرشيف، وهو ما خلف حالة من الاستياء في أوساط المؤرخين والعاملين في قطاع الأرشيف.
المصدر: الشروق