شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

(نعيمة) وسام راضي.. حين تصبح الأم وطناً في بيت التحفيات

(نعيمة) وسام راضي.. حين تصبح الأم وطناً في بيت التحفيات

 بغداد / علي الدليمي

على أروقة بيت التحفيات في بغداد، حيث يتنفس الجص عبق التاريخ وتتهامس الشناشيل بحكايات العابرين، وبحضور نخبة متميزة من الفنانين والنقاد وعشاق الجمال، افتتح مساء السبت المعرض الشخصي الخامس للفنان وسام راضي، معرض استثنائي في كل تفاصيله، حمل عنوانا يختزل كل معاني الوفاء: (نعيمة)، إهداء إلى روح والدته.

ضم المعرض مجموعة كبيرة من أعمال تجربته الجديدة، اتسمت جميعها بحجمها الطولي اللافت بقياسات تراوحت بين 70×200سم، ولم يكن هذا الخيار الشكلي اعتباطا، بل كان قرارا جماليا وفكريا مقصودا بعناية، أراد وسام أن يصور شخصياته بحجمها الحقيقي الواقعي، أن يجعل المرأة واقفة أمامنا بقدها الفارع، بتعبها وسترها وأنوثتها وكبريائها، كأنها تخرج من اللوحة لتعيش بيننا، لتكون المواجهة مباشرة بلا وسيط، بين المتلقي والذاكرة، بين الحاضر وطيف الأمومة الأول.
ومن يتابع مسيرة الفنان وسام راضي، المولود في بغداد عام 1968، يدرك أنه منذ معرضه الأول على قاعة دائرة الفنون في منتصف تسعينيات القرن المنصرم حتى اليوم، لم يستكن لأسلوب واحد ولم يركن إلى صيغة جاهزة، بل ظل في حالة بحث دائمة ومقلقة، مجربا ومؤسسا لأساليب تتناسب وطروحاته الإبداعية المتجددة.
فمن الرسم الكاريكاتيري الذي يلتقط المفارقة بذكاء لاذع، إلى اللوحة التشكيلية المنفذة بمواد الزيت والأكريليك بكل ثقلها اللوني وعمقها التعبيري، وصولا إلى التخطيطات الدقيقة بأقلام الحبر الملونة، كان وسام يبني معجمه البصري الخاص، معجما لا يفصل بين الفكرة والأداة، بين السخرية والوجع.
في معرضه الحالي، يستحضر الفنان صورا حميمة من حياة المرأة العراقية في ظرفها المكاني والزماني، المرأة الأم والجدة والجارة، تلك التي كانت عماد البيت العراقي وسوره وحافظة أسراره.
لم يرسم وسام امرأة عابرة، بل حول نساءه إلى أيقونات فنية وإنسانية متميزة، تتجلى فيها قدسية الملامح الأنثوية العراقية، تلك الوجوه التي حفر الزمن على تقاسيمها قصصا من الصبر والانتظار والرضا.
وجاءت الأزياء البيتية الزاهية، الدشداشة المزركشة بالورود والنقوش التراثية، لتكون بطلة ثانية، بألوانها الفاقعة التي تقاوم العتمة، بزهوها الذي يعلن أن الفرح ممكن حتى في أضيق البيوت وأكثرها عتمة.
إن نعيمة ليست أم الفنان وحده، بل هي أم كل عراقي، الرمز الذي يختزل الحنان والستر والبركة.. ولهذا جاءت اللوحات مهيبة واقفة بشموخ كأنها صلاة بصرية، وفاء لامرأة منحت الفنان الحياة فمنحها الخلود على جدران بيت بغدادي عتيق.
وتعكس هذه الأعمال رؤية بصرية عميقة متجذرة في التراث والهوية، تأخذنا في رحلة سحرية بين الماضي والحاضر، محملة بشحنات عاطفية ورمزية عالية تستنطق تفاصيل البيئة المحلية وتناجي الروح.
تتسم معالجاته بأسلوب تعبيري تشخيصي يمنح شخوصه طابعا أسطوريا وحميميا في آن واحد، مستلهما جماليات الأمكنة والذاكرة الجمعية لبغداد ومدن العراق.. وتظهر لغة بصرية غنية بالدلالات، يبرز فيها الحنين الجارف للوطن والارتباط العضوي بالأرض من خلال تجسيد المعالم الحضارية العريقة كالأنهار والشناشيل والأزقة القديمة، ليتحول الفضاء التصويري إلى مسرح للذاكرة يستحضر الأمل والشجن في خطوط متدفقة وألوان تنبض بالحياة.

The post (نعيمة) وسام راضي.. حين تصبح الأم وطناً في بيت التحفيات appeared first on جريدة المدى.

المصدر: المدى