شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

«التسـوّل الإلكترونــي».. شـبـكــات مـحـتــرفــة للابــتـــزاز

«التسـوّل الإلكترونــي».. شـبـكــات مـحـتــرفــة للابــتـــزاز

في منتصف ليلة أردنية هادئة، بينما كانت عائلة «أحمد» (اسم مستعار) تتابع شاشات هواتفها بلحظات ترقب قلقة، ظهر على إحدى المنصات الرقمية المشهورة وجه شاب يذرف دموعًا حارة مناشدًا أهل الخير التبرع لعلاج حالة طارئة لطفل مريض؛ فتسابق الآلاف لدعم البث المباشر وتحويل الأموال عبر المحافظ الإلكترونية. لم تدرك «عائلة أحمد» ولا الملايين من المتفاعلين أن تلك الدموع لم تكن سوى سيناريو مدروس بعناية فائقة تديره شبكات محترفة لابتزاز عواطف البسطاء، وتحويل أوجاع المرض والفقر إلى بورصة ضخمة لجني الأرباح السريعة دون رقابة أو رادع أخلاقي. فضاء شبكات التواصل الاجتماعي بات مستباحًا لعصابات «التسول الرقمي» التي تغتال معاني التكافل الحقيقي وتتاجر بندوب الأبرياء خلف كواليس البث الحي، عابثة بالقيم النبيلة ومحولة المآسي الإنسانية إلى مادة للترفيه والاستجداء الرخيص، مما يستدعي وقفة جادة وحاسمة لإيقاف هذا النزيف الأخلاقي والنفسي الذي ينخر في بنية المجتمع. تتغلغل هذه الظاهرة الرقمية المشوهة في عمق المشهد الاجتماعي الأردني المعاصر، مهددةً منظومة التضامن الإنساني الأصيل ومحولةً فضائل العطاء إلى تجارة سوداء تدار عبر البرمجيات الذكية والمصالح الشخصية والمادية الضيقة. ولم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد نوافذ للتواصل أو نشر المعرفة والتنوير، بل انحرفت لترتدي ثوب الاستغلال العاطفي الممنهج، حيث يعمد أشخاص محترفون لإنتاج محتوى استعراضي يستدر دموع المتابعين واستجداء أموالهم تحت غطاء العمل الإنساني الوهمي. هذا الانفصام القيمي الخطير يضرب في صميم الثقة المجتمعية، ويجعل المواطن البسيط في حالة حيرة دائمة بين رغبته الصادقة في فعل الخير وبين خوفه من الوقوع فريسة لشبكات النصب العاطفي التي تحترف تمثيل الفقر والمرض لجني الثروات على حساب كرامة المحتاجين الحقيقيين الذين يخجلون من مد أيديهم علانية، ليتحول الفضاء الافتراضي إلى سوق تعرض فيه الآلام البشرية بأبخس الثمن لأجل حصد المشاهدات وتحقيق الأرباح الوهمية. تتغذى ظاهرة التسول الرقمي وتجارة التعاطف على تربة خصبة من العفوية المفرطة والاندفاع العاطفي الجميل الذي يمتاز به المواطن الأردني، مستغلة رغبته الدائمة في النخوة وإغاثة الملهوف وفعل الخير. وهنا يكمن الخطر الحقيقي بأن يحل و»سطاء الأزمات» مكان القنوات الرسمية والمؤسسية الموثوقة للتبرع، عبر الشاشات الذين يتقنون فن تزيين الحكايات واختلاق البطولات الوهمية والأزمات المفتعلة لجذب عطف الجماهير. هذا الاستلاب الفكري يفرغ العمل الخيري من مضمونه المؤسسي والمنظم، ويحول المتابع إلى متفرج ساذج يفرغ شعوره بالذنب أو تعاطفه بنقرة إصبع على زر التحويل المالي، دون أدنى تحقق من مصداقية الحالة أو وصول الدعم لمستحقيه الفعليين، مما يؤسس لبيئة خصبة تخدم المحترفين وتترك الفقراء الحقيقيين يصارعون العوز بصمت قاسي ومرارة لا تحصى، غارقين في تداعيات مجتمعية ونفسية بالغة الخطورة تفكك أواصر التعاضد الحقيقي وتستبدله بتعاطف رقمي زائف ومؤقت. يؤكد الخبير القانوني والتشريعي محمد الفقهاء أن ظاهرة استغلال منصات التواصل الاجتماعي لأغراض التسول واستجداء الأموال تحت غطاء العمل الإنساني تمثل جريمة منظمة تحاسب عليها التشريعات الأردنية وقانون الجرائم الإلكترونية بصرامة شديدة. ويشير الفقهاء إلى أن القانون لا تهاون فيه مع كل من يبتز عواطف المواطنين ويجمع الأموال بطرق غير مشروعة، موضحًا أن الجهات الأمنية المختصة تتعقب باستمرار هذه الحسابات الوهمية والمشبوهة التي تتربح من آلام الناس وتستغل طيبتهم. ويشدد على أن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في نصوص العقوبات الصارمة، بل في وعي المتلقي وضرورة توجيه التبرعات حصرًا عبر الجهات الرسمية والمؤسسات الخيرية المرخصة والمعتمدة رسميًا، لقطع الطريق تمامًا أمام عصابات الاستعراض الرقمي ولصوص العواطف الذين يتخذون من الشاشات سترة لتحقيق مكاسب غير مشروعة على حساب السلم المجتمعي والقانون العام. من جهته، يوضح الباحث الاجتماعي خالد عبد الفتاح أن انتشار ظاهرة التسول الرقمي وتجارة الدموع يعكس أزمة عميقة في تراجع التضامن المؤسسي لصالح الاستعراض الفردي، مؤكدًا أن هذه الممارسات المشينة تسيء لسمعة المجتمع الأردني المعروف بشيم النخوة والكرامة الأصيلة. ويبين عبد الفتاح أن بعض المؤثرين والوسطاء استغلوا الظروف الاقتصادية والمعيشية الصعبة ليصنعوا لأنفسهم إمبراطوريات مالية وهمية على حساب آلام الناس الحقيقية، داعيًا إلى إحداث صحوة مجتمعية وثقافية تلفظ هؤلاء المتاجرين بالعواطف الإنسانية. ويقترح ضرورة تعزيز الدور الرقابي للجهات المعنية، وإطلاق منصات رقمية وطنية شفافة وموثوقة لتوثيق الحالات الإنسانية الملحة، بما يضمن وصول الدعم لمستحقيه ويحمي عاطفة المواطن من الاستغلال والابتزاز الممنهج عبر الشاشات المضيئة، ويعيد الاعتبار للعمل الخيري المنظم الذي يحفظ كرامة الإنسان وصون إنسانيته بعيدًا عن أضواء الاستعراض الرخيص. تتطلب مواجهة هذا التغلغل الخطير لتجارة التعاطف والتسول الرقمي تبني استراتيجيات وطنية حاسمة ومستدامة ترتكز على التطبيق الحازم للتشريعات القانونية بحق كل من يستغل الشاشات لاستجداء الأموال ونشر الأكاذيب الإنسانية دون ترخيص رسمي ومؤسسي، إلى جانب تفعيل الوعي المجتمعي والنقدي لدى المواطنين بعدم الانجرار خلف مقاطع البث العاطفية والتأكد من موثوقية الجهات المستفيدة وعدم الانسياق وراء الدموع المصطنعة. كما تبرز الحاجة الملحة لدعم المؤسسات الخيرية الرسمية والمعتمدة لتكون هي النافذة الوحيدة والآمنة لتوجيه التبرعات لمستحقيها الحقيقيين بكل شفافية ومسؤولية، فضلًا عن تعزيز دور الإعلام الوطني والرقابي في فضح أساليب النصب الرقمي وكشف شبكات المتاجرين بأوجاع الناس، لتظل ساحات التواصل الأردنية نقية ونظيفة وخالية من لصوص العواطف ومحترفي الابتزاز الافتراضي، ولتبقى قيم التكافل الحقيقي صامدة ومنيعة في وجه كل محاولات التشويه والاستغلال الرخيص.

المصدر: الدستور