شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

القيادة ليست منصبًا بل مكانة تليق بكِ (1)

القيادة ليست منصبًا بل مكانة تليق بكِ (1)

منى بنت حمد البلوشي حين نتحدث عن القيادة، غالبًا ما تتجه أذهاننا إلى المكاتب، والمناصب، وصنع القرارات، وإدارة المؤسسات. نبحث عن القائد في المدير والرئيس والمسؤول، وننسى أن أعظم صور القيادة قد تبدأ في مكان لا يحمل أي لقب رسمي، ولا ترفع فيه أعلام، ولا تُكتب فيه قرارات على الأوراق، ولا توجد به إجازات قط. قد تبدأ القيادة من بيت، من امرأة تستيقظ قبل أن يستيقظ الجميع، وتفكر في احتياجات أسرتها، وتحتوي مشاعر أبنائها، وتتابع تفاصيلهم الصغيرة، وتزرع فيهم القيم التي سيحملونها معهم إلى العالم. امرأة قد لا يسمّيها أحد "قائدة"، لكنها في الحقيقة تمارس واحدة من أعظم صور القيادة أثرًا وأطولها امتدادًا. فالقيادة ليست منصبًا؛ بل مكانة تليق بكِ، وتليق بالمرأة حين تدرك أن بيتها ليس مجرد مكان تُدار فيه شؤون الحياة اليومية، بل بيئة تُبنى فيها شخصيات، وتتشكّل فيها قناعات، وتتأسس فيها علاقة الإنسان بنفسه وبالآخرين وبالحياة. ذهبتُ لمُخيلتي وسيذهب معي الكثير، عندما أتذكر والدتي وهي تستيقظ قبل أذان الفجر، لتعدّ لنا وجبة الإفطار، أشاهدها وهي تبحث هنا وهناك وتنادي إخوتي وأخواتي، كلا حسب دوره وتعطي توجيهاتها ونصائحها، هي بمثابة القائد المغوار وكثيرات هنّ مثل أمي، وكل شريط يعيد امرأة أخرى لتلك المرأة المكافحة والقائدة، هذه إحدى الصور التي تسترجعها مخيلتي وغيرها من المواقف التي تشهد بأنها قائدة، ولكل من يقرأ سيجد والدته هنا. المرأة لا تربي أبناءها بالكلمات وحدها؛ بل بالقدوة وغرسها القيم في ذات أبنائها، فالأم لا تصنع أبناءها بما تقوله لهم فقط، وإنما بما يرونه منها كل يوم، يرى الطفل كيف تتعامل أمه مع اختلافها مع الآخرين، فيتعلم معنى الاحترام، ويرى كيف تتصرف حين تخطئ، فيتعلم أن الاعتذار قوة وليس ضعفًا. ويرى كيف تواجه التعب، فيتعلم الصبر، ويرى كيف تتحدث عن نفسها، فيتعلم كيف ينظر إلى ذاته، ويرى كيف تعامل من هم أضعف منها، فيتعلم معنى الرحمة، ويرى كيف تتعامل مع أبيه، فيتكوّن لديه جزء من تصوره عن العلاقات والاحترام والشراكة، ولهذا فإن تربية الأبناء ليست مشروعًا من التعليمات، وإنما مشروع قدوة. القيادة في البيت ليست سيطرة، هناك فرق كبير بين أن تقود المرأة بيتها وبين أن تسيطر عليه، السيطرة تقوم على الخوف، بينما القيادة تقوم على الثقة، فالسيطرة تجعل الطفل يطيع لأن العقوبة تنتظره، أما القيادة فتجعله يفهم لماذا ينبغي أن يفعل الصواب حتى حين لا تكون أمه موجودة، ولهذا فإن الأم القائدة لا يكون همها أن تجعل أبناءها مطيعين فقط، بل أن تجعلهم واعين ناضجين، لأن الحياة تتطلب أن يكون الأبناء أكثر نضجًا ووعيًا. الأم تبدأ حياة أبنائها وهي تفعل عنهم كل شيء تقريبًا، ثم تبدأ تدريجيًا في تعليمهم كيف يفعلون الأشياء بأنفسهم. تحملهم، ثم تعلمهم المشي. تختار عنهم، ثم تعلمهم الاختيار. تحميهم، ثم تعلمهم كيف يحمون أنفسهم. قد لا تُمنح المرأة وسامًا لأنها ربت أبناءها بحب ووعي، لن تصفق لها الجماهير لأنها جلست ساعات تستمع إلى طفلها، لن تُكتب في الصحف لأنها احتضنت ابنتها بعد فشلها، وقد لا يعرف العالم كم مرة أخفت تعبها لتمنح أبناءها شعورًا بالأمان، لكن أثرها سيظهر يومًا ما، سيظهر في ابن يعرف كيف يكون رجلًا دون قسوة، وفي ابنة تعرف كيف تكون قوية دون أن تفقد إنسانيتها، وفي أبناء يعرفون أن النجاح هو نجاح الأسرة بأكملها دون الاستسلام للتحديات والصعوبات. المرأة هي أساس بيتها وأبنائها وبكل السبل يُشار إليها بالبنان، فهنيئًا لنساء لا يعرف عنهن أحد إلا من معها. فالقيادة ليست منصبًا فحسب؛ بل مكانة تليق بها ولكِ. عندها فقط ستدرك المرأة أن السنوات التي ظنت أنها كانت "مجرد أمومة" كانت في الحقيقة أعظم ممارسة للقيادة، فالمناصب تصنع نفوذًا مؤقتًا، أما التربية فتصنع إنسانًا قد يحمل أثرك لعقود، وربما ينقل ما زرعته فيه إلى أجيال لم ترها قط. لهذا لا تستهيني بمكانكِ في بيتك، لا تظني أن ما تفعلينه صغير لأنه يحدث خلف الأبواب؛ فأحيانًا، خلف باب بيت هادئ، تجلس امرأة تصنع مستقبلًا كاملًا وأحيانًا، بين يدي أم لا يكبر طفل فقط، بل يكبر وطن، وتتشكّل أجيال، ويُبنى إنسان، وهنا تصبح العبارة أكثر عمقًا من مجرد عنوان: القيادة ليست منصبًا؛ بل مكانة تليق بكِ؛ لأنكِ حين تقودين بيتكِ بالوعي، وتربين أبناءكِ بالقيم، وتكونين لهم قدوة قبل أن تكوني لهم موجهة، فأنتِ لا تديرين أسرة فحسب، بل أنتِ تصنعين أثرًا سيبقى بعدكِ.

المصدر: الرؤية