شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

"أكتوبر العمران".. ملامح تحول عُماني

"أكتوبر العمران".. ملامح تحول عُماني

علي بن محمد بن جمعة اللواتي خرجتُ من ملتقى «أكتوبر العمران»، الذي تنظمه وزارة الإسكان والتخطيط العمراني، بانطباع يتجاوز المشاريع المعروضة إلى ما يدور حولها: شركات عُمانية تتنافس، وكفاءات وطنية تؤدي أدوارًا متنوعة، وشباب يبحثون عن خيارات السكن والاستثمار، وتصميمات تقترب من ذائقة جيل جديد. بدا لي الملتقى مساحةً تكشف بعض ملامح التحوّل في الاقتصاد والمجتمع العُماني؛ فما تعرضه الشركات يعكس قراءتها للمستقبل، وما يبحث عنه الزوار يكشف احتياجات تتغيّر وطموحات تتشكّل. كان الحضور اللافت للشركات والكوادر العُمانية أكثر ما استوقفني؛ إذ امتد من التطوير العقاري والخدمات المرتبطة به إلى تنظيم الفعاليات وإدارة المعرض. ولهذا الحضور دلالة اقتصادية مهمة؛ فكلما اتسعت مشاركة المؤسسات المحلية في مراحل التطوير والخدمات المصاحبة، اتسعت معها فرص بقاء أثر الإنفاق داخل الاقتصاد، وتراكمت لدى أبنائها الخبرة والمعرفة والعلاقات. وبهذا المعنى، يصبح المشروع العقاري فرصة لبناء قدرات وطنية تستطيع أن تنمو مع القطاع، وتسهم في تطويره. ولفتني كذلك التنافس في التصميم وتقديم حلول ومنتجات تواكب أفكار الأجيال الجديدة وثقافتها؛ فالمسكن يعكس أسلوب صاحبه في العيش، وما ينشده من خصوصية وراحة وخدمات، وعلاقته بالمكان والمجتمع من حوله. وحين تتغيّر هذه الاحتياجات، يصبح فهمها جزءًا أساسيًا من عمل المطوّر؛ لأن نجاح المشروع يبدأ من معرفة من سيعيش فيه، وكيف سيستخدمه، وما الذي يجعله يختاره ويستمر فيه. وهي منافسة جديرة بالتشجيع، على أن يمتد أثرها من جاذبية العرض إلى جودة الحياة داخل المشروع. وقد استمعتُ إلى مستثمر يبحث عن عقار يحقق له عائدًا، ويشترط فيه جودةً تحفظ قيمة الأصل على المدى الطويل. وهذا الحرص في محلّه؛ فقيمة التصميم تظهر في كفاءة المساحات، وسهولة الاستخدام، وملاءمة المرافق لاحتياجات السكان وكلفة تشغيلها، وتكتمل حين يحافظ المبنى على جودته وجاذبيته مع مرور السنوات. فالمشتري يتخذ قرارًا طويل الأثر، ومن حقه أن يجد وراء الصورة الجميلة مكانًا صالحًا للعيش، وأصلًا تتوافر فيه مقومات الحفاظ على قيمته. ولمستُ لدى الأُسر والشباب اهتمامًا بالادخار والاستثمار. فقد استمعتُ إلى أبٍ وأُمٍ يتناقشان في العقار الأنسب لأهداف أسرتهما الاستثمارية، وهو مشهد يكشف حرصًا على التخطيط المالي المشترك داخل الأسرة. وهذا يدعو إلى التفاؤل؛ لأنه يعبّر عن تطلّع إلى بناء المستقبل وتكوين الأصول. ومن المفيد أن يواكبه وعي يساعد على تقييم الفرص وفهم الالتزامات، حتى تتحول الرغبة في الاستثمار إلى قرار يناسب قدرة صاحبه وأهدافه. أما الإقبال الكبير، فلم يقتصر على المهتمين بالعقار، بل شمل فئات المجتمع المختلفة، وهذا في ذاته نجاح للملتقى؛ إذ يعكس قدرته على إشراك شرائح أوسع من الناس في قضايا السكن والعمران. وقد رأيتُ في هذا الإقبال ما يستحق القراءة في ضوء التحوّلات البنيوية التي تشهدها الأسرة العُمانية. فاحتياجات السكن تتأثر بحجم الأسرة، وتوقيت استقلال الأبناء، وأماكن العمل، وأنماط الحياة، والقدرة على تحمّل الكلفة. ومن أكثر ما بقي في ذهني نقاش بين أب وابنه عن المسكن المناسب للابن في مسقط بعد زواجه؛ ففي مثل هذا النقاش تلتقي مسائل الموقع والمساحة والكلفة والقرب من العمل، وقد يتقاطع فيه تصوّر جيلين لمعنى الاستقرار. وتحمل هذه الأسئلة والاختيارات إشارات إلى تحوّلات جديرة بأن تُجمع وتُدرس؛ فالمعرض يتيح للمطوّر أن يستمع إلى السوق مباشرة، وأن يختبر مدى توافق تصوّراته مع ما تحتاج إليه الأسر فعلًا. وفي هذا المشهد، أرى أن مشاريع وزارة الإسكان والتخطيط العمراني تؤدي دورًا حيويًا في جذب المهتمين والمستثمرين وتحفيز الشركات المحلية. فطرح المشاريع وتوضيح اتجاهات التنمية العمرانية يفتحان أمام القطاع الخاص مجالًا للمبادرة، ويشجّعانه على تطوير منتجاته وقدراته. وتتعاظم قيمة هذا الدور حين تُطرح الفرص بأحجام متدرّجة، تتيح للمؤسسات العُمانية أن تنمو في حجم أعمالها وخبراتها، وتصبح أكثر قدرة على تقديم مشاريع تلائم احتياجات المجتمع. ولعل من الإضافات المناسبة للدورات المقبلة تنظيم ورش تثقيفية عملية عن الاستثمار العقاري، يُعدّ محتواها بصورة مستقلة عن الجهات العارضة. وأقول هذا بوصفي مطوّرًا عقاريًا يرى أن وعي المشتري يعزّز الثقة بالسوق ويسهم في تطويرها. تساعد هذه الورش المشتري على تحديد معايير الاختيار بحسب غرضه من الشراء، وتقييم سجل المطوّر وجودة أعماله والتزامه بالتسليم وخدمات ما بعد البيع. كما تشرح له كيفية احتساب العائد الصافي بعد تكاليف التمويل والصيانة والخدمات، وفهم الالتزامات التعاقدية، وتقدير ملاءمة الشراء لدخله وظروفه. فالمعرفة هنا جزء من جودة السوق؛ إذ تساعد المشتري على اتخاذ قرار واعٍ. خرجتُ من «أكتوبر العمران» متفائلًا بالحضور العُماني، وبالتنافس على تطوير المنتج، وباهتمام الأسر والشباب بمستقبلهم السكني والمالي. وما يمنح هذا المشهد قيمته الأعمق أن تنمو هذه العناصر معًا: شركات أكثر قدرة، ومشترون أكثر وعيًا، ومشاريع أقرب إلى حياة الناس. عندها يصبح تطوّر العمران تعبيرًا عن نضج المجتمع الذي يبنيه ويسكنه ويستثمر فيه.

المصدر: الرؤية