شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

صندوق الانتخابات الإسرائيلية.. تنافس سياسي على حساب الحقوق الفلسطينية

صندوق الانتخابات الإسرائيلية.. تنافس سياسي على حساب الحقوق الفلسطينية

قراءة في دلالات الانتخابات الإسرائيلية وانعكاساتها على الفلسطينيين، في ظل استمرار الاستيطان ورفض الدولة الفلسطينية وتقييد الحقوق السياسية والاقتصادية، رغم اختلاف الحكومات والقيادات المتعاقبة. تتجه الأنظار إلى مآلات الانتخابات الإسرائيلية وما قد تفرزه من تغييرات في المشهد السياسي داخل دولة الاحتلال، وسط آمال يعلّقها البعض على رحيل شخصيات ارتبطت أسماؤها بالاستيطان والاعتداءات والحصار، ومجيء قيادات يُنظر إليها باعتبارها أقل تشدداً، وربما أكثر استعداداً للتعامل مع الملفات الفلسطينية والإقليمية. لكن الرهان على تبدّل الوجوه في قيادة الاحتلال يصطدم بواقع سياسي تتجاوز جذوره طبيعة الحكومات المتعاقبة، إذ تتفق الأحزاب الصهيونية، على اختلاف توجهاتها، في كثير من القضايا الجوهرية المتعلقة بالاستيطان ورفض الدولة الفلسطينية وتقييد الحقوق السياسية للفلسطينيين، وإن اختلفت في وسائل تنفيذ هذه السياسات وحدّتها. وفي خضم هذه المعادلة، ذهب البعض إلى تجميل المشهد عبر المقارنة بين شخصيات سياسية إسرائيلية، والبحث عن الأقل تطرفاً بينها، فيما عُلّقت آمال أخرى على دور الفلسطينيين في الداخل المحتل عام 1948، وقدرتهم على التأثير في نتائج الانتخابات من خلال المشاركة السياسية. غير أن هذه الرهانات تتجاهل طبيعة النظام السياسي الذي يواصل إقصاء القوائم العربية عن مراكز صنع القرار، ويستخدم مشاركتها أحياناً لإظهار صورة تعددية لا تعكس بالضرورة واقع الحقوق والمساواة. أعادت الانتخابات الإسرائيلية طرح سؤال جوهري حول طبيعة التوجهات السائدة داخل المجتمع الإسرائيلي، ولا سيما بعد سنوات من حرب الإبادة والتجويع والتدمير في قطاع غزة، وتصاعد الاعتداءات والاستيطان في الضفة الغربية والقدس. ففي الوقت الذي يترقب فيه الفلسطينيون والعالم احتمالات التغيير، تبرز برامج سياسية تتنافس في تأكيد قضايا الاستيطان، ورفض إقامة الدولة الفلسطينية، وتقييد الحضور السياسي الفلسطيني، واستمرار السياسات العسكرية في غزة، إلى جانب تكريس السيطرة على القدس وتعزيز الوجود العسكري في ساحات إقليمية أخرى. ولم تقتصر دلالات المشهد على صعود بنيامين نتنياهو، بل امتدت إلى طبيعة الخطاب السياسي لدى شخصيات وقوى أخرى، من بينها غادي أيزنكوت، الذي قدمته بعض التغطيات الإعلامية باعتباره بديلاً مختلفاً عن نتنياهو، رغم أن مواقفه السياسية والعسكرية تثير تساؤلات بشأن حدود الاختلاف بين المعسكرات المتنافسة في دولة الاحتلال. وبذلك، لا يمكن اختزال المشهد في المقارنة بين نتنياهو وخصومه، أو التعامل مع رحيل شخصية سياسية باعتباره مدخلاً تلقائياً لإنهاء السياسات القائمة، فالمعيار الأهم يبقى ما تحمله البرامج والمواقف من توجهات فعلية تجاه الفلسطينيين وحقوقهم وأرضهم. وتُظهر التجربة السياسية الإسرائيلية أن التباين بين الحكومات المتعاقبة لم يمنع استمرار التوسع الاستيطاني ومصادرة الأراضي وتغيير الوقائع الجغرافية والديمغرافية في الضفة الغربية والقدس. فخلال حكم أريئيل شارون، الذي ارتبط اسمه بتوسيع الاستيطان، استمرت مشاريع السيطرة على الأراضي الفلسطينية. وفي عهد إسحاق رابين، الذي صُوّر في مراحل مختلفة باعتباره أكثر استعداداً للتسوية السياسية، شهدت الضفة الغربية استمراراً للنشاط الاستيطاني، بما في ذلك إقامة مستوطنة قرب سبسطية عام 1975، بعد إقامة مستوطنة كريات أربع في الخليل عام 1968. كما لم تؤدِّ تعاقبات حكومات إيهود باراك وإيهود أولمرت وشمعون بيريس ونفتالي بينيت وبنيامين نتنياهو إلى وقف مسار الاستيطان أو إنهاء حصار غزة أو وضع حد لسياسات تهويد القدس وعزلها. وتكشف هذه التجارب أن اختلاف الخطاب السياسي بين القيادات الإسرائيلية لا يعني بالضرورة اختلافاً جوهرياً في السياسات المتعلقة بالأرض الفلسطينية، إذ بقي الاستيطان حاضراً في برامج الحكومات، وتواصلت الإجراءات التي قيدت الوجود الفلسطيني وضيّقت فرص إقامة دولة مستقلة. وفي هذا السياق، لا تبدو الانتخابات بالنسبة إلى المجموعات الاستيطانية العامل الحاسم في مستقبل مشاريعها، بقدر ما تمثل فرصة لمواصلة الضغط على الحكومات وتعزيز توجهاتها، سواء جاءت نتائج الصندوق متوافقة مع طموحاتها أو احتاجت إلى مزيد من الضغط السياسي والميداني لتحقيقها. ولا تتوقف انعكاسات السياسات الإسرائيلية على الفلسطينيين عند الجانب الاستيطاني، بل تمتد إلى مسارات سياسية واقتصادية وأمنية تتداخل في ما بينها، وتؤثر بصورة مباشرة في قدرة الفلسطينيين على الصمود فوق أرضهم. سياسياً، تتنافس الأحزاب الإسرائيلية على تأكيد يهودية الدولة، ورفض إقامة دولة فلسطينية، وتقييد إمكانية التواصل الجغرافي والسياسي بين التجمعات الفلسطينية. وتتحول هذه المواقف، في كثير من الأحيان، إلى تشريعات وإجراءات تعزز واقع السيطرة وتحد من الحقوق الوطنية الفلسطينية. أما اقتصادياً، فتتواصل سياسات الضغط عبر احتجاز أموال المقاصة، وقطع الموارد المالية، وتقييد حركة البضائع والأفراد، وإغلاق الحواجز والطرق بين المدن والبلدات، إلى جانب هدم المنشآت الاقتصادية ومنع الاستيراد والتصدير. وتنعكس هذه الإجراءات على المصانع والعمال والتجار والمزارعين، وتضعف قدرة الاقتصاد الفلسطيني على الاستمرار بصورة مستقلة. وتبرز أهمية هذه السياسات في ظل تحكم الاحتلال بالمعابر والحدود، بما فيها المعبر الذي يربط الضفة الغربية بالأردن، الأمر الذي يجعل حركة الفلسطينيين والبضائع مرتبطة بإجراءات الاحتلال وقراراته. أما على المستوى الأمني والميداني، فتتواصل الاعتداءات العسكرية والاستيطانية، بما يشمل مصادرة الأراضي وإقامة البؤر الاستيطانية وإغلاق المناطق والطرق، في مسار يفرض وقائع جديدة على الأرض ويزيد من صعوبة الحفاظ على التواصل الجغرافي بين المدن والقرى الفلسطينية. وباجتماع هذه المسارات، تتضح طبيعة التحديات التي يواجهها الفلسطينيون، والتي لا ترتبط باسم رئيس حكومة بعينه، بل بمنظومة سياسات تتواصل عبر الحكومات المتعاقبة. وتطرح الانتخابات الإسرائيلية تناقضاً آخر يتعلق بمشاركة الفلسطينيين في الداخل المحتل عام 1948، إذ تحرص دولة الاحتلال على إظهار نفسها باعتبارها نظاماً تعددياً يتيح المشاركة السياسية لمختلف مكوناته، في الوقت الذي تواجه فيه الأحزاب العربية قيوداً سياسية ومحاولات متكررة لإبعادها عن مراكز التأثير وصنع القرار. وعلى الرغم من الثقل الانتخابي للفلسطينيين في الداخل، فإن المعسكرات السياسية الإسرائيلية المتنافسة تتقاطع في مواقفها الرافضة لمنح القوائم العربية دوراً مؤثراً في تشكيل الحكومات أو تحديد سياساتها الأساسية. ولا تقف تداعيات هذا التوجه عند حدود المشاركة الانتخابية، بل تمتد إلى مستقبل الفلسطينيين في الداخل، في ظل تصاعد السياسات العنصرية والتضييق على حقوقهم، واستمرار محاولات فرض واقع سياسي واجتماعي يحد من حضورهم وتأثيرهم. ومن هنا، فإن تصوير الانتخابات باعتبارها مساحة مفتوحة للتغيير والمساواة يتجاهل التناقض بين المشاركة الشكلية والقدرة الفعلية على التأثير في القرار السياسي. في ظل هذه المعطيات، تبدو الرهانات على الانتخابات الإسرائيلية باعتبارها مدخلاً لإنهاء الاستيطان أو رفع الحصار أو وقف الاعتداءات رهانات تصطدم بتجربة طويلة من تعاقب الحكومات دون تغيير جوهري في طبيعة السياسات تجاه الفلسطينيين. فالمشكلة لا تتعلق بشخصية رئيس الحكومة وحدها، وإنما بمشروع سياسي تتداخل فيه الرؤية الاستيطانية مع السيطرة العسكرية والاقتصادية، وتختلف أدوات تنفيذه من حكومة إلى أخرى، بينما تبقى النتائج على الأرض متقاربة في كثير من جوانبها. كما أن استمرار الدعم الدولي لدولة الاحتلال، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، مقابل الاكتفاء في كثير من الأحيان بالبيانات والتحذيرات، يعزز الفجوة بين المواقف المعلنة والإجراءات الفعلية القادرة على وقف الانتهاكات. وعليه، فإن قراءة نتائج الانتخابات الإسرائيلية لا ينبغي أن تقتصر على أسماء الفائزين والخاسرين، بل يجب أن تتجاوزها إلى فحص البرامج السياسية ومواقف الأحزاب من الاستيطان والحقوق الفلسطينية والحرب على غزة، ومدى انعكاس هذه المواقف على السياسات التي ستُنفذ لاحقاً. فالتغيير في الوجوه لا يعني بالضرورة تغييراً في النهج، والاختلاف بين المعسكرات السياسية لا يلغي التقاطعات التي تجمعها تجاه القضية الفلسطينية. وبين صندوق انتخابي يحدد شكل الحكومة المقبلة وواقع فلسطيني يواجه الاستيطان والحصار والتهجير، يبقى السؤال الأهم: هل يمكن أن ينتج النظام السياسي نفسه مساراً مختلفاً في التعامل مع الفلسطينيين، أم أن الانتخابات ستعيد إنتاج السياسات ذاتها بأدوات ووجوه جديدة؟

المصدر: وكالة القدس