رانيا حسين: الكتابة للطفل مهمة صعبة.. والرسالة تصل إلى قلبه أسرع من عقله
هي الكاتبة رانيا حسين أمين، التي لم تكتب لتبهر الأطفال، بل لتعبر عنهم، وتساعدهم على فهم أنفسهم وتكون صوتهم داخل مجتمعات ما زالت لا تعترف بأن الصغير له صوت. بشخصية الفتاة الفضولية «فرحانة» دخلت «رانيا» عالم الكتابة للأطفال في أواخر التسعينات، وعلى الرغم من أنها كانت أول إبداعاتها الأدبية، فإنها فوراً حصدت جائزة سوزان مبارك في أدب الطفل لفرط جمالها وتفردها، وإلى نص الحوار: أتوقع اختفاء الكتاب الورقي.. وأرى المستقبل للكتاب الإلكتروني ■ كيف بدأت رحلتك مع الكتابة والرسم، ولماذا اخترتِ الكتابة للأطفال دون غيرهم؟ بدأتُ رحلة الكتابة في أواخر التسعينات عن طريق كتابة القصص القصيرة للكبار، وكنت أنشرها في مجلة «نصف الدنيا»، ثم قمت بالاشتراك في ورشة للكتابة للأطفال، وكانت ابنتي في هذا الوقت عمرها 3 سنوات، فكانت فكرة تربية الأطفال مسيطرة على ذهني، والكتابة لهم مرتبطة كثيراً بتربيتهم.■ كيف تحافظين على التوازن بين المتعة والرسالة في أعمالك الموجّهة للطفل؟ تكون لديّ فكرة عن القصة والرواية التي أود أن أوصلها للطفل، ثم عند البدء في الكتابة أحاول رؤية الأحداث من وجهة نظر طفل صغير وأبدأ بالكتابة وكأني هذا الطفل، فأحكي القصة بلغة ومشاعر طفل.■ هل تتذكرين أول قصة كتبتِها للطفل؟ وما الذي شجّعك على الاستمرار؟ هي فكرة لسلسلة «فرحانة» لسن 3-7 سنوات، وبدأت بالعمل على 12 كتاباً ورسم الاسكتشات، ثم ذهبت إلى دار نشر وتم قبولها، فتقدمت بها بعد نشرها في مسابقة سوزان مبارك، وكان هذا سنة 1999، وحصلت على جائزة، مما شجعني بالطبع على الاستمرار. أمتع شيء هو «خلق» شخصيات واقعية مقنعة وجعلها تتعامل مع بعضها ■ كيف أثّر تخصصك في علم النفس على كتاباتك للأطفال؟ دخلت علم نفس بسبب حبي لمعرفة الناس بشكل أعمق، وحبي لتحليل الشخصيات، وهي نفس أسباب حبي للكتابة، فمن أمتع ما يمكن أن يقوم به الكاتب هو «خلق» شخصيات واقعية مقنعة وجعلها تتعامل مع بعضها البعض، وتكون النتيجة أحياناً مفاجأة لنا كما هي مفاجأة للقارئ. ■ في رأيك، ما الذي يميز الكتابة للطفل عن الكتابة للكبار؟ وهل فيها مسئولية أكبر أقصد الكتابة للطفل مقارنة بالكتابة للكبار؟ نعم، الكتابة للطفل تقيدك، لأن كل كلمة وكل موقف يؤثر على الطفل ويشكله ولذلك أنت ككاتب مسئول مسئولية كاملة عن ذلك، ولكن في الكتابة للكبار يمكنك التعبير عن نفسك بحرية كاملة، فمع الكبار مقبول، بل مطلوب، من كل فنان أن يظهر كما هو، وجمهوره من حقه أن يستقبل عمله إما بالقبول أو بالرفض. ■ ما سر اهتمامك بذوي الاحتياجات الخاصة والقراءة والحكي لهم؟ أركز على من أشعر أنهم في حاجة إلى الاهتمام والرعاية، وقد عملت فترة في مدرسة لذوي الاحتياجات الخاصة، وفهمت هؤلاء الأطفال بشكل أعمق، فأردت أن أشارك الناس فيما رأيته فيهم من جمال الروح، ومن صفات كثيرة مشتركة مع الطفل «العادي» يصعب علينا أحياناً رؤيتها. ■ كيف تختارين الموضوعات التي تناقشينها في قصصك؟ لا أكتب سوى عن أشياء أنا شغوفة بها، وعن مواضيع تلح عليَّ حسب الأحداث التي أمر بها أو أراها وأتأثر بها. ■ هل ترين أن أدب الطفل في العالم العربي يحصل على الاهتمام الكافي؟ مؤخراً، نعم، أعتقد ذلك، فعدد المؤلفين والرسامين ودور النشر والمسابقات أيضاً في ازدياد. ■ كونك كاتبة ورسّامة في الوقت نفسه، أيهما يبدأ أولاً: الفكرة أم الرسم؟ الفكرة بالطبع، الرسم بالنسبة لي مجرد شيء يخدم القصة وليس العكس. وعندما أكتب القصة أتخيل الرسومات، وأرى أنه من الصعب عليّ توصيل ما أتخيله للرسام أو الناشر، ولذلك إذا رسم القصة رسام غيري تكون دائماً مختلفة عما تخيلت، وهذا يضايقني كثيراً، مهما كانت جودة الرسومات. ■ هل ترين أن الكتاب الورقي ما زال قادراً على جذب الأطفال؟ ربما بعض الأطفال، وبالذات من يقوم أهلهم بالقراءة لهم، لأنهم يرتبطون عاطفياً بالكتاب الورقي، ولكن في رأيي لن يستمر الكتاب الورقي لمدة طويلة، وكلها بضع سنوات وربما سيختفي تماماً. ■ تمتد أعمالك من «عندما اكتشف الطائر جناحيه» حتى «صراخ خلف الأبواب»، كيف ترين تطوّر تجربتك الإبداعية عبر هذه السنوات؟ في الحقيقة تمتد أعمالي من «فرحانة» حتى «شخصيات عرفتها» وهي رواية مصوّرة للكبار، لقد كتبت لجميع الأعمار فيما عدا سن (0-3)، بدأت بالكتابة للسن الصغيرة جداً عندما كانت ابنتي في هذه السن، وكلما كبرت بدأت الاختلاط بالأعمار الأكبر وأحببت الكتابة لهم، فأنا أحب تجربة الجديد ولا أتوقف عند نوع واحد من الكتب. ■ سلسلة «فرحانة» حققت حضوراً واسعاً لدى الأطفال، ما سر ارتباطك بهذه الشخصية واستمرارها عبر أكثر من كتاب؟ أعتقد أن «فرحانة» كانت لها شعبية لأنها تشبه الأطفال المصريين شكلاً وتشبه كل الأطفال في شخصيتها، فهي تخطئ وترتبك وتحاول تصحيح الأخطاء، ولكنها شخصية طيبة وعطوفة، ولذلك يحبها الأطفال. ■ تناولتِ في أعمالك قضايا حساسة مثل التنمر، فقدان الحب، والضغط النفسي للأطفال، كيف تختارين هذه الموضوعات؟ لقد عملت أخصائية نفسية في بعض المدارس وتعاملت مع الكثير من الأطفال، ومعاناتهم ومشكلاتهم كان لها تأثير كبير في نفسي وقلبي، لذا أحببت الكتابة عنها لمساعدة الأطفال الذين يقرأون في التغلب عليها. ■ في كتاب «صراخ خلف الأبواب» انتقلتِ إلى مساحة أكثر جرأة، كيف كانت تجربة الكتابة لليافعين مقارنة بالطفل الصغير؟ كتاب «صراخ خلف الأبواب» صُنف خطأ على أنه كتاب لليافعين، ولكنه مخصص لأعمار من 8-12، وهو يناقش مشكلة الصراعات بين الكبار وتأثيرها على الأطفال ورغبتهم في حياة هادئة آمنة، وقد حاولت مناقشة هذا الموضوع بنوع من المرح والتشويق في نفس الوقت. ■ حصلتِ على عدد كبير من الجوائز منذ بداياتك، ماذا تمثل لك الجوائز في مشوارك الأدبي؟ مثلت الجوائز الكثير لي، ففي بدايتي كانت تنقصني الثقة وكنت أحتاج إلى هذه الدفعة لأبني ثقتي وأكمل المشوار، وقد ساهمت الجوائز في ذلك، ولكن الآن في الحقيقة لا تمثل لي أي شيء على الإطلاق. ■ أي جائزة كانت الأقرب إلى قلبك، ولماذا؟ هي أول جائزة حصلت عليها من مصر (جائزة سوزان مبارك)، فقد كانت مفاجأة غير متوقعة، وكانت دفعة قوية جداً بالنسبة إليّ. ■ ما النصيحة التي توجهينها لمن يرغب في الكتابة للطفل؟ أن يقرأ كثيراً، أن يقوم بعمل تدريبات كثيرة للكتابة، وأن يكون نفسه، وألا يكتب سوى عن أشياء هو شغوف بها. ■ ما نوع الكتب التي تنصحين الآباء بالبحث عنها لأطفالهم أثناء زيارة المعرض؟ أنصح الآباء بشراء كتب الأطفال من الناشرين الكبار والمضمون أن لديهم كتب أطفال جودتها عالية من حيث المضمون، فقد وجدت في المعرض كتباً بها أفكار ومعانٍ ورسائل في منتهى الخطورة على الطفل. أخطاء عند الكتابة للأطفال الخطأ الشائع هو التركيز على الرسالة والرغبة في أن تُكتب بشكل مباشر خوفاً من ألا يفهمها الطفل، ولكن الرسالة ستصل إلى الطفل عندما يفهم الموقف ويشعر به، فالرسالة غير المباشرة التي تصل إلى قلب الطفل أقوى بكثير من الرسالة المباشرة التي تصل إلى عقله. خطأ آخر شائع هو جعل الشخص الكبير في القصة (الأهل، الجدود، المدرس) هو من يعطي الدرس للطفل في النهاية، ورغم أنه في الواقع هذا هو ما يحدث في أغلب الأحيان، ولكن هذا لا يُمكِّن الطفل ولا يعطيه الثقة المطلوبة بالنفس، والتي يمكننا إعطاؤها له عن طريق الكتاب بأن نجعل الطفل البطل هو الذي يقوم باكتشاف المشكلة وحلها بمفرده. الكتابة الرسالة القصص الأدب
المصدر: الوطن