آه يا بيت راس
د. صالح سليم الحموري آه يا بيت راس… كيف ستنامين الليلة؟كيف ستغمضين عينيكِ، وأنتِ التي اعتدتِ أن تنامي على طمأنينة أهلكِ، وسكينة بيوتكِ، ودفء حاراتكِ، وقد جاءكِ من عمّان خبر موجع، يحمل جريمة بشعة هزّت الضمير، وأيقظت في القلب سؤالًا لا يهدأ: كيف يمكن أن يخرج من بين أبنائكِ من يحمل سكينًا ليطعن بها رجل أمن يؤدي واجبه في حماية الوطن وأهله؟آه يا بيت راس…يا قريتي التي أحب، يا حكاية الأرض والناس، يا ذاكرة الطفولة، ووجوه الطيبين، والبيوت التي تعرف بعضها بعضًا، والأبواب التي كانت تُفتح للغريب قبل القريب. يا قريةً تعلّمنا من أهلها أن الكرامة أخلاق، وأن الرجولة مروءة، وأن الشجاعة لا تكون في إيذاء إنسان، بل في حمايته وصون كرامته.ماذا جرى يا بيت راس؟ وأيّ ظلام يمكن أن يتسلل إلى عقل إنسان حتى تتحول يده من أداة للبناء والعطاء إلى أداة للقتل؟ وأيّ فكر مشوّه يستطيع أن يقنع صاحبه بأن الاعتداء على رجل أمن بطولة، وأن سفك الدم طريق إلى تحقيق غاية أو نصرة قضية؟أكتب إليكِ اليوم لا لأدينكِ، ولا لأحمّلكِ وزر جريمة لم ترتكبيها، بل لأنني واحد من أبنائكِ، ولأنني موجوع بكِ وعليكِ. أكتب لأن حب المكان لا يعني الصمت حين يقع ما يؤلم الضمير، ولأن أشدّ الكلمات قسوة هي تلك التي نضطر إلى كتابتها عن الأماكن التي تسكن أعماقنا.يا بيت راس…أعرف أنكِ أكبر من هذه الجريمة، وأن تاريخكِ لا تختصره لحظة سوداء، وأن أبناءكِ الذين بنوا وعلّموا وخدموا وطنهم، ورفعوا اسمه في ميادين العلم والعمل، هم صورتكِ الحقيقية. وأعرف أن في بيوتكِ أمهاتٍ ربّين أبناءهن على المحبة واحترام الناس، وآباءً علّموهم أن هيبة الدولة من هيبة الوطن، وأن رجل الأمن ليس غريبًا عنا، بل ابن بيت أردني، له أمّ تنتظره، وأهل يترقبون عودته، وأحلام لم تكتمل بعد.لكن الحزن، مهما كان عميقًا، لا يكفي. والغضب، مهما كان مشروعًا، لا يعفينا من طرح الأسئلة الصعبة.كيف تتسلل الأفكار المتطرفة إلى عقول بعض أبنائنا؟ وكيف تتحول الكراهية إلى قناعة، والقناعة إلى سلوك، والسلوك إلى جريمة؟ وأين كنا حين بدأت هذه الأفكار تنمو؟ وأين دور الأسرة والمدرسة والجامعة والمسجد والمجتمع في بناء الإنسان قبل أن نكتشف، متأخرين، أن شيئًا خطيرًا قد حدث في داخله؟إن التطرف لا يولد مع الإنسان، ولا تحمله الجينات، ولا تورثه القرى لأبنائها. إنه فكر يتشكل، وقناعات تنمو، ووعي يتشوّه، حتى يصبح العنف في نظر صاحبه أمرًا مقبولًا، وربما واجبًا. ولهذا فإن مواجهة التطرف لا تكون بالعقاب وحده، على ضرورته، وإنما ببناء بيئة فكرية وتربوية واجتماعية تحمي الإنسان من الانزلاق إلى الكراهية، وتعيد الاعتبار لقيمة الحياة وحرمة الدم وكرامة البشر.وأخشى ما أخشاه يا بيت راس أن نغضب اليوم، ونحزن غدًا، ثم ننسى بعد أيام، وكأن ما حدث مجرد خبر عابر في نشرات الأخبار. فمثل هذه الجرائم ليست أحداثًا ينبغي أن تمر دون مراجعة، بل إنذارات تستوجب أن نسأل أنفسنا عمّا نزرعه في عقول أبنائنا، وما نتركه ينمو في صمت، وما نغضّ الطرف عنه حتى يصبح خطرًا يهدد المجتمع بأكمله.آه يا بيت راس…لا أريدكِ أن تحملي عار جريمة فرد، فالأوطان لا تُدان بأخطاء أبنائها، والقرى لا تُحاكم بأفعال بعض أهلها. لكنني أريدكِ أن تحملي مسؤولية السؤال، وأن تكوني، كما عرفناكِ، شجاعة في مواجهة الخطأ، واضحة في رفض العنف، صريحة في الدفاع عن قيمكِ.فليس من الوفاء للقرية أن نبرر جريمة ارتكبها أحد أبنائها، وليس من العصبية المحمودة أن نصمت عن الاعتداء، وليس من الرجولة أن نبحث عن الأعذار لمن استباح حياة إنسان. إن الوفاء الحقيقي أن نقول إن الدم الأردني حرام، وإن رجل الأمن الذي يحرس شوارعنا ويحمي أبناءنا هو ابننا جميعًا، وإن العدالة يجب أن تأخذ مجراها دون تردد أو محاباة.واليوم، ونحن نستحضر هذه الفاجعة، فإن قلوبنا مع أسرة رجل الأمن الذي فقد حياته وهو يؤدي واجبه، ومع زملائه وأسرته الكبيرة في الوطن. فخسارته ليست شأنًا عائليًا فحسب، بل وجع وطن يعرف قيمة من يسهرون على أمنه واستقراره.يا بيت راس…لا تسمحي لهذه الجريمة أن تختطف تاريخكِ، ولا أن تشوّه صورة أهلكِ، ولا أن تجعل أبناءكِ يطأطئون رؤوسهم خجلًا من فعل لم يرتكبوه. لكن لا تسمحي أيضًا أن تمرّ هذه اللحظة دون أن تتحول إلى يقظة في الضمير، ومراجعة في الفكر، ومسؤولية في التربية، وموقف واضح من كل خطاب يزرع الكراهية أو يبرر العنف.أريدكِ أن تكوني أكبر من وجعكِ، وأن تقولي لأبنائكِ إن الانتماء ليس مجرد اسم نحمله أو أرض ننتسب إليها، بل قيم نعيشها، وأخلاق نمارسها، ومسؤولية نتحملها تجاه الناس والوطن.آه يا بيت راس… كيف ستنامين الليلة؟أعرف أن ليلكِ سيكون ثقيلًا، وأن الأسئلة ستطول، وأن الحزن سيطرق أبوابكِ. لكنني أعرف أيضًا أنكِ ستنهضين مع الفجر، كما نهضتِ عبر السنين، بكرامة أهلكِ وطيبة ناسكِ، وبإيمانكِ بأن الخير فيكِ أكبر من شرّ هذه الجريمة، وأن تاريخكِ أوسع من أن تختصره يد حملت سكينًا بدلًا من أن تحمل المحبة.نامي يا بيت راس، إن استطعتِ، لكن لا تنامي عن السؤال. احزني، لكن لا تسمحي للحزن أن يتحول إلى صمت. وارفعي رأسكِ، لا دفاعًا عن الجريمة، بل وفاءً لكل ما فيكِ من خير، ولكل من عاش على أرضكِ إنسانًا كريمًا، محبًا لوطنه وأهله.أما أنا، يا قريتي، وبغربتي فسأظل أحبكِ كما عرفتكِ، لكنني لن أستطيع أن أنام مطمئنًا قبل أن أجد جوابًا عن سؤال واحد: كيف نحمي أبناءنا من الأفكار التي قد تجعل أحدهم يومًا قاتلًا لأخيه في الوطن؟آه يا بيت راس… ليس السؤال كيف ستنامين الليلة، بل كيف سنوقظ ضمائرنا جميعًا حتى لا تستيقظ قرية أردنية أخرى غدًا على الفاجعة ذاتها.
المصدر: عمون