شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

حين تنتهي العقوبة ولا ينتهي الخطر: نحو حوكمة مؤسسية لما بعد تنفيذ المحكومية

حين تنتهي العقوبة ولا ينتهي الخطر: نحو حوكمة مؤسسية لما بعد تنفيذ المحكومية

حين يُستهدف رجل الأمن وهو يؤدي واجبه لا تكون الجريمة اعتداءً على فرد فحسب بل إنتهاكاً مباشراً لسيادة القانون وأمن المجتمع، وحين تتكرر الجرائم الخطيرة أو يعود أصحاب السوابق إلى ممارسة العنف والاعتداء، فإن السؤال لم يعد مقتصراً على كيفية ضبط الجاني بعد وقوع الجريمة بل أصبح يتعلق بالقدرةعلى منع تكرارها وإغلاق الثغرات التي تسمح بعودة الخطر إلى الشارع. إن مواجهة الإرهاب والتطرف العنيف والجرائم المتكررة تتطلب موقفاً وطنياً حازماً لا يكتفي بإدانة الاعتداءات أو التعامل مع نتائجها، وإنما ينتقل إلى مراجعة شاملة للتشريعات والإجراءات وآليات تبادل المعلومات وإدارة الحالات عالية الخطورة، فالمؤسسات الإصلاحية لا تنتهي مسؤوليتها عند انتهاء مدة المحكومية كما أن الإفراج عن المحكوم عليه لا ينبغي أن يعني انقطاع المعلومات أو غياب التنسيق بين الجهات المختصة متى كانت هناك مسوغات قانونية ومهنية تستدعي استمرار المتابعة. ويقتضي ذلك البدء من مراجعة السياسة الجنائية والتشريعات ذات الصلة بما يضمن ردعاً حقيقياً للجرائم الخطيرة ولا سيما الاعتداء على رجال الأمن أثناء أداء واجباتهم والجرائم الإرهابية، ومن الضروري دراسة تشديد العقوبات في حالات التكرار الجرمي وفق معايير واضحة والإفراج المشروط لبعض فئات الجرائم والأشخاص الذين تثبت خطورتهم وفق تقييم مؤسسي وأحكام قضائية قطعية، كما ينبغي ضمان أن يواجه من يعتدي على رجال الأمن أو يهدد حياة المواطنين جزاءً يتناسب مع خطورة فعله وأن يحقق الحكم المنفذ بحقه الردع العام والخاص، وأن تكون هناك استجابة حازمة لأي خرق لشروط الإفراج أو التدابير الامنية المفروضة. إن الردع ليس مجرد رفع سقف العقوبة بل هو يقين الجاني بأن الجريمة ستُكشف وأن المعلومات لن تضيع بين المؤسسات وأن القانون سيُطبق بحزم وشدة، غير أن الردع التشريعي يظل ناقصاً ما لم يُرفق بحوكمة صارمة لمرحلة ما بعد انقضاء العقوبة، إذ إن انتهاء مدة المحكومية لا يعني مطلقاً رفع المسؤولية المؤسسية أو ترك المحكوم عليهم دون غطاء رقابي مُحكم، حيث أن فرض تدابير أمنية وإدارية ممتدة، وإخضاع هذه الفئات لبروتوكولات متابعة مؤسسية مستمرة وتقييم دوري للمخاطر يُمثّل الضمانة الأساسية لمنع العود الجرمي وحماية المجتمع من أي جريمة قد تهدد استقراره. ولذلك تبرز الحاجة إلى إنشاء نظام إلكتروني وطني موحد لإدارة بيانات أصحاب السوابق والمحكوم عليهم في جرائم الارهاب والجرائم التي تمس الامن والسلم المجتمعي يربط الجهات المختصة ويتيح الاطلاع المنضبط على الأحكام والسوابق وحالات التكرار ونتائج التأهيل وشروط الإفراج العامة والخاصة والالتزامات القانونية، فوجود المعلومات في قواعد بيانات متفرقة لا يكفي حيث أن المطلوب أن تتحول إلى معلومات مؤسسية مترابطة تساعد على اتخاذ القرار في الوقت المناسب وتمنع انقطاع المسؤولية عند انتقال الحالة من مكان لآخر ومن مؤسسة إلى أخرى. ويجب أن يقوم النظام على تصنيف مهني وقانوني للحالات بحسب طبيعة الجريمة وتكرارها ومستوى المخاطر، كما يتطلب بروتوكولاً وطنياً واضحاً يحدد مسؤوليات الجهات وآليات تبادل المعلومات وإجراءات التعامل مع الحالات التي تستدعي متابعة خاصة، فتتولى الأجهزة الأمنية والقضائية مهامها وفق اختصاصاتها وتضمن إدارة مراكز الإصلاح والتأهيل استمرارية ملفات التأهيل والتقييم، فيما يؤدي الحاكم الإداري دوراً محورياً وهاماً بالتعاون مع الجهات ذات العلاقة. ولا يمكن بناء هذه المنظومة بمعزل عن التكنولوجيا، فالذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات قادران على دعم اكتشاف الأنماط المتكررة وربط المعلومات المصرح بتبادلها وإظهار المؤشرات التي تستدعي مراجعة مختصة وتحديد أولويات التعامل مع الحالات عالية الخطورة، كما يسهم التحليل الاستخباري المؤسسي في التحقق من المعلومات وربط الوقائع، على أن تبقى هذه الأدوات وسائل مساندة للقرار البشري. وتقدم الدول المتقدمة نماذج عملية يمكن البناء عليها ففي المملكة المتحدة ، يوفر نظام ترتيبات الحماية متعددة المؤسسات (MAPPA) إطاراً للتعاون بين الشرطة والسجون وخدمات المراقبة المجتمعية والجهات ذات الصلة لإدارة مخاطر فئات محددة من مرتكبي الجرائم الخطيرة، وقد بلغ عدد الأشخاص الخاضعين لهذه الترتيبات 97,050 شخصاً في 31 آذار 2025، فيما سجل التقرير السنوي 253 حالة اتهام بجرائم خطيرة جديدة ضمن الفئات المشمولة خلال العام 2024/2025، وتبرز أهمية التجربة في وجود مستويات لإدارة الحالات ومسؤوليات محددة وتقارير دورية تسمح بقياس الأداء ومراجعته. وفي الدنمارك، يقوم نموذج " بيوت المعلومات" (Info-houses) على التعاون بين الشرطة والادارة المحلية وجهاز الاستخبارات وخدمات السجون والجهات الاجتماعية لتقييم الحالات المرتبطة بالتطرف العنيف والتعامل معها من خلال مزيج من التدخل الوقائي والمتابعة والدعم وإعادة الإدماج، وتؤكد هذه التجربة أن مواجهة التطرف لا تتحقق بالمعالجة الأمنية وحدها بل تحتاج إلى تنسيق مستمر يجمع بين حماية المجتمع ومواجهة السلوك العنيف ومعالجة العوامل التي قد تسهم في العودة إليه. وتشير الأدلة الإرشادية الصادرة عن الأمم المتحدة ومكتب الأمم المتحدة المعني بالجريمة إلى أهمية إعداد خطة فردية لكل حالة قبل الإفراج وضمان استمرارية التأهيل والمتابعة بعده وتنسيق الأدوار بين المؤسسات الإصلاحية والأمنية والقضائية والاجتماعية، وهذه المبادئ توفر أساساً لتطوير نموذج أردني يراعي خصوصية التشريعات الوطنية ويستفيد من الممارسات الدولية دون نقلها كما هي. إن بناء " النموذج الأردني لحوكمة ما بعد تنفيذ المحكومية " لا يعني نقل تجارب دولية كما هي، بل الاستفادة من فلسفتها وتكييفها مع البيئة الوطنية، حيث يتيح سياقنا التشريعي والأمني دمج صرامة النظام البريطاني (MAPPA) مع البعد الوقائي لـ "بيوت المعلومات" الدنماركية، وذلك عن طريق تمكين دور " الحاكم الإداري " كمرجع رئيسي في التنسيق الميداني بين مراكز الإصلاح والأجهزة الأمنية ووزارة التنمية الاجتماعية ومؤسسات المجتمع المدني، حيث إن إيجاد لجان استجابة على مستوى المحافظات تدار بقواعد بيانات موحدة يُضمن عدم انقطاع الرقابة بعد الإفراج ويوفر في الوقت ذاته مسارات إدماج حقيقية تمنع الانزلاق مجدداً نحو العنف والتطرف. أما قياس فاعلية المنظومة، فينبغي أن يستند إلى مؤشرات أداء قابلة للقياس تشمل معدلات العودة إلى الجرائم الخطيرة خلال مدد زمنية محددة ونسب الالتزام بشروط الإفراج واستكمال برامج التأهيل وسرعة تبادل المعلومات ودقتها ونسبة خطط المتابعة المنفذة ومستوى الاستجابة للمؤشرات الجدية إلى جانب مراجعة حالات الإخفاق وتحليل أسبابها، فعدد الملفات المسجلة أو الأشخاص الذين تشملهم المتابعة لا يمثل نجاحاً بحد ذاته، النجاح الحقيقي هو منع الجريمة وحماية الأرواح وتحسين قدرة المؤسسات على التدخل في الوقت المناسب. إن مواجهة الإرهاب لا تحتمل التردد والاعتداء على رجال الأمن والمواطنين لا يجوز أن يمر بوصفه واقعة عابرة أو خطأً إجرائياً يمكن تجاوزه، فلا تساهل مع الإرهاب ولا تهاون مع العنف المتكرر ولا مكان لثغرات تسمح لمن ثبتت خطورته بالعودة إلى تهديد المجتمع دون متابعة مؤسسية فاعلة، إن هيبة الدولة تُصان بإنفاذ القانون وحماية رجال الأمن واجب لا يقبل المساومة وأمن المواطنين مسؤولية لا تحتمل التأجيل، والمطلوب اليوم منظومة وطنية حازمة - تشريعاً وردعاً وتقنيةً وتنسيقاً - تجعل من منع الجريمة أولوية تسبق وقوعها وتؤكد أن يد القانون هي يدٌ طُولى فوق الجميع وقادرة على حماية المجتمع ومحاسبة كل من يهدد أمنه واستقراره، من يختار طريق الإرهاب والاعتداء على الأرواح ومواجهة القانون بالعنف يجب أن يدرك أن الدولة ستواجه جرمه بحزم القانون وقوة مؤسساتها وأن أمن المجتمع وسيادة القانون خط أحمر لا يُسمح بتجاوزه.

المصدر: الدستور