باليت المدى: الإبداع والعاطفة
2626نشر في: 2 نوفمبر, 2026: 12:04 ص ستار كاووش ليس هناك فن دون عاطفة، بل لا يخلو أي إبداع من هذه العاطفة التي تأخذ أشكالاً وحالات مختلفة. وفي عالم الرسم الذي أمارسه منذ سنوات طويلة وأشعر بأني أعيش بداخله، ما أن أبدأ بوضع الألوان على قماشة الرسم، تبدأ العاطفة بالعمل بجد، فتشرق مثل الضوء أو ربما تنكسر مثل الظلمة. لا يهم هنا ماذا أرسم أو بأي أسلوب أو تقنية، أو حتى أن كانت المواضيع كبيرة أم عابرة، وحجوم اللوحات واسعة أم صغيرة. فكل هذا يحتاج الى شعور من نوع خاص، وهي العاطفة، التي بدونها تبدو الأعمال الفنية دون حياة.مع ذلك، هناك عاطفة أخرى ومن نوع مختلف، أشعر بها كفنان، غير تلك التي تربطني مباشرة باللوحات. إنها العاطفة التي أشعر بها في المرسم ذاته كمكان، وهي التي تشكل أساساً لحياتي وعيشي، فأنا بلا مبالغة يمكنني تَخَيُّلَ عيشي دون بيت، لكن لا يمكنني أبداً العيش دون مرسم، لأن كل شيء في حياتي يقودني ويعيدني الى هذا المكان الساحر والفريد.أحب الفوضى التي تتركها مواد الرسم المتكدسة فوق بعضها في المرسم، الأطارات المتناثرة هنا وهناك، اللوحات الكثيرة غير المكتملة، علب الألوان المرمية على الأرضية دون عناية، وحتى قطع القماشات الصغيرة التالفة التي أستعملها لتنظيف فرش الرسم، والتي تلمتع هنا وهناك حول مسند الرسم لأنها عادة ما تكون ملونة، كونها قطع من قمصان أستغني عنها تباعاً لتأخذ طريقها الى المرسم وتمارس دوراً جديداً.مع هذا عليَّ أن أرتب المرسم مرة في الأسبوع، كي أتمكن من الحركة بسهولة، كذلك يُتيح لي هذا الفعل، التنقل بين كرسيين، الأول يستقر قرب المسند واستعمله أثناء الرسم، والثاني أكبر قليلاً وهو يستقر في زاوية بعيدة عن مسند الرسم، حيث أجلس هناك بضع مرات في اليوم وأنا أنظر من بعيد الى اللوحة التي أعمل عليها، لأرى الأماكن التي ستحذف أو تُعَدَّل، أو أفكر بالتفاصيل التي يمكن أن تضاف أو تتغير. وهذه المسافة التي بين الكرسيين هي الزمن الذي أتخذه لتغيير مسار اللوحة أو الإنعطاف بها واضافة تفاصيل جديدة أو تعديل مساحة لونية معينة.أجمل وأطول أوقات يومي هي التي اقضيها في المرسم. فلكي أُحقق نتائج جيدة، عليَّ أن أمنح الكثير من الوقت للتجريب والمحاولات واكتشاف التقنيات ومعرفة أسرار المتريال. ولأجل ذلك هناك منهاجاً ثابتاً تقريباً، وتخطيطاً جيداً للوقت، فبدون ذلك ستتراكم الاشياء التي عليَّ إنجازها. فالوقت هو الاساس وهو القيمة الحقيقية التي توصلني لما أريد انجازه. الوقت هو المختبر وهو الدرس، وإستثماره بشكل جيد ومناسب هو ما يساعد على تطور أية تجربة ودفعها الى الأمام.الفنان الذي يحب عمله، هو بالضرورة يحب مرسمه أو المكان الذي ينجز فيه أعماله. المرسم هو وطن صغير يشعر فيه الفنان بجدواه وقيمة أعماله وما يقدمه. هكذا أصحو كل صباح ولا شيء يشغل تفكيري سوى المرسم، لا شيء يملأ عقلي غيره. ومع احتساء القهوة عند الفطور تتصاعد درجات التوق الى أقصاها، فأكمل قهوتي بسرعة وأمضي الى المرسم الذي ما أن أفتح بابه، أجولُ بنظري على علب الالوان التي أخذت أماكنها غير المنتظمة والاطارات مختلفة الحجوم والتخطيطات المبعثرة على الطاولة الواسعة التي لطختها الالوان من كل الجهات، فيما تنتصب لفافة الكانفاس الطويلة في الزاوية وكأنها تتأهب لتحيتي. وبين كل هذه التفاصيل أرى كيف تنسَلَّ أشعة الشمس البِكر وتستقر على وجه امرأة في لوحة لم يكتمل رسمها بعد، فيمنحها هذا الضوء الذهبي شيئاً من الحياة. أُلقي نظرة بانورامية متفحصة على المكان قبل البدء بالرسم، فأشعر بأن البعثرة والفوضى الوحيدة الجميلة والمنتجة هي فوضى المرسم، يالها من فوضى خلّاقة، فرغم عدم تناغمها ظاهرياً، فهي تنتج أعمالاً متناغمة ومكتملة وجميلة، انها فوضى تؤدي الى نظام.المرسم هو مطبخي الحقيقي إذن، ففيه أُحَضِّرُ وصفات الرسم والتقنيات التي استخدمها، أضيف شيئاً هنا وأحذف تفصيلاً هناك، أغير هذا الجزء وأضيء تلك الزاوية، كي تكتمل الطبخة الذهبية في النهاية وتذهب الى قاعات العرض.هل هناك مكان آخر يشبه ذلك؟ لا أعتقد بأن أي مكان في هذا العالم يساوي قيمة وجمال ومكانة المرسم بالنسبة لكل فنان يعشق فنه وينتمي اليه ويعيش فيه. تواصل معنا عبر
المصدر: المدى