بعد الطاقة.. هل تأتي أزمة الغذاء؟
ووفقاً لتقرير حديث لمؤسسة "S&P Global"، فإن الارتفاع الحاد في أسعار الديزل وتراجع إمدادات الأسمدة، بالتزامن مع تداعيات ظاهرة ألـ "نينيو" المناخية، ترسم معالم "عاصفة مثالية" تهدد بفرص قفزات جديدة في تكاليف الإنتاج وتفاقم الضغوط على سلاسل الإمداد الغذائي. ويُشكل الديزل محركاً أساسياً للقطاع الزراعي، حيث يؤدي ارتفاع أسعاره إلى زيادة مباشرة في تكاليف تشغيل المعدات، وحراثة الأراضي، ونقل المحاصيل. بالتوازي مع ذلك، يتسبب تراجع إمدادات الأسمدة ومكوناتها في خفض إنتاجية الهكتار الواحد وارتفاع أثمان المحاصيل الأساسية. وتكتمل أركان الأزمة مع تداعيات ظاهرة "إل نينيو" المناخية، التي تتسبب في موجات جفاف وفيضانات غير متوقعة تضر بالحصاد وتتلف المحاصيل في مناطق الإنتاج الرئيسية، ليؤدي هذا التداخل الثلاثي إلى شح المعروض الغذائي العالمي وارتفاع كلفة إنتاجه وتوزيعه. وبحسب تقرير أعدته صحيفة "وول ستريت جورنال"، واطّلع عليه موقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، فإن إغلاق مضيق هرمز كشف عن الدور المحوري الذي يؤديه الخليج العربي في مجال الأسمدة والمواد الداخلة في تصنيعها، حيث تبين أن الحركة عبر المضيق لا تقتصر على نقل النفط والغاز الطبيعي المسال فحسب، بل تشمل أيضاً نقل كميات كبيرة من اليوريا والأمونيا والكبريت، وهي مواد ضرورية لاستمرار الإنتاج الزراعي. وفي حين انخفضت أسعار الأمونيا بفضل توفر إمدادات بديلة، إلا أن الكبريت لا يزال يواجه اختناقات في التوريد، مما أدى إلى ارتفاع سعره في شهر سبتمبر 2026 بنحو 70 بالمئة مقارنة بمستوياته المسجّلة في شهر يناير 2026. ويميل المزارعون عادة إلى تقليل استخدام الأسمدة استجابةً لارتفاع أسعارها، مما يؤدي بدوره إلى انخفاض غلات المحاصيل مستقبلاً أو تقليص المساحات المزروعة، حيث تشير مؤسسة "S&P Global" إلى تراجعٍ سُجِّل مؤخراً في المساحات المزروعة بالذرة في أوروبا، وفول الصويا في البرازيل، والقمح في أستراليا. وبالنسبة لظاهرة "إل نينيو"، فتشير التوقعات إلى أنها قد تكون الأقوى هذا العام، إذ يُتوقع أن تتسبب في أمطار غزيرة وفيضانات في بعض المناطق، مقابل جفاف وارتفاع درجات الحرارة في مناطق أخرى. وقد ارتفعت أسعار الغذاء العالمية بنحو 10 بالمئة عقب ظاهرة "إل نينيو" القوية التي شهدها العالم في عامي 2014 و2015، أما هذه المرة، فتُبدي مؤسسة "S&P" قلقها من أن المحاصيل، التي قد تتأثر سلباً بتقليص استخدام الأسمدة، ستكون أقل قدرة على تحمّل درجات الحرارة المرتفعة. وقد شهدت العقود الآجلة للمنتجات الزراعية ارتفاعاً حاداً هذا العام ترقباً للعديد من هذه التداعيات، ومن المتوقع أن تكون الدول الأكثر فقراً هي الأكثر تضرراً، حيث تشكل النفقات الغذائية جزءاً كبيراً من ميزانيات الأسر. وفي هذا السياق، يشير دانييل يرجين، نائب رئيس مجلس إدارة شركة "S&P Global" والخبير المخضرم في شؤون الطاقة، إلى أن أزمة الطاقة عادة ما تظهر نتائجها فوراً على الشاشات، بعكس أزمة الغذاء التي تتكشف نتائجها تدريجياً مع تعاقب الفصول. ويقول خبير التجارة الدولية والمواد الغذائية وليد جبارة، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن الخطورة في تقرير "S&P Global" الأخير هي أنه يسلّط الضوء على نقطة التلاقي بين العوامل المناخية القاسية والأزمات الاقتصادية الهيكلية، فالعالم واجه من قبل ظواهر مناخية قاسية مثل "إل نينيو"، واستطاع امتصاص جزء من صدماتها من خلال الاعتماد على تحسين جودة الإنتاج وتكثيف استخدام التكنولوجيا والأسمدة لرفع كفاءة التربة، غير أن التهديد الحالي مختلف كلياً كونه يأتي في وقت تراجعت فيه مستويات تسميد المحاصيل وارتفعت فيه أسعار الديزل بشكل كبير جداً. ويشرح جبارة أن ارتفاع أسعار النفط والديزل، لا يقتصر تأثيره على أصحاب السيارات، بل يمتد مباشرة إلى الحقول وسلاسل الإمداد العالمية، حيث يشكّل الديزل عنصراً أساسياً في تشغيل الآليات الزراعية ومضخات الري ومعدات الحصاد والتحميل، فضلاً عن نقل المحاصيل وتوزيعها، لافتاً إلى ارتفاع متوسط سعر الديزل في الاتحاد الأوروبي بنحو 38 بالمئة بين أواخر فبراير ومنتصف سبتمبر 2026، فيما سجلت الأسعار ارتفاعاً بنسبة 66 بالمئة في الولايات المتحدة و61 بالمئة في تركيا و21 بالمئة في الصين، ما يعني أن المزارعين حول العالم يواجهون ارتفاعاً كبيراً في تكاليف تشغيل أنشطتهم الزراعية ونقل منتجاتهم. ويعتبر جبارة أن ما يجعل الوضع الحالي أكثر حساسية بالنسبة إلى سلاسل الإمداد الغذائي، هو ما يحدث في مضيق هرمز الذي يمثل شرياناً أساسياً لتجارة الأسمدة والمواد الأولية المستخدمة في تصنيعها، فالمضيق تمر عبره نحو ثلث تجارة اليوريا العالمية المنقولة بحراً، ونحو 45 بالمئة من شحنات الكبريت، مشيراً إلى أنه عندما يلجأ المزارعون إلى تقليص استخدام الأسمدة بنسبة تصل إلى 20 بالمئة لتقليل التكاليف التشغيلية، فإن ذلك يتسبب في ضعف خصوبة التربة، ما يؤدي بالتالي إلى تراجع غلات المحاصيل لعامين أو ثلاثة أعوام قادمة، وبذلك، فإن تداعيات أزمة الأسمدة الحالية لن تقتصر على الموسم الزراعي الراهن، بل قد تمتد آثارها إلى العامين أو الأعوام الثلاثة المقبلة. من جهته يقول المحلل الاقتصادي رامي النجار، في حديث لموقع "اقتصاد سكاي نيوز عربية"، إن العالم يواجه بالفعل مخاطر متزايدة لأزمة غذائية ولكن من المبكر الحديث عن أزمة عالمية شاملة أو نقص حاد في الغذاء، فما نشهده اليوم هو تراكم مجموعة من العوامل التي قد تدفع الأسواق الغذائية إلى مرحلة أكثر صعوبة خلال الأشهر والمواسم المقبلة، مشيراً إلى أن الخطورة تكمن في أن هذه العوامل تحدث في الوقت نفسه وتتداخل آثارها بصورة تجعل معالجة كل مشكلة على حدة أمراً أكثر صعوبة، فمثلاً ارتفاع أسعار الأسمدة يدفع المزارعين إلى تقليص استخدامها، ما يجعل المحاصيل أقل قدرة على مقاومة الظروف المناخية القاسية التي قد ترافق ظاهرة "إل نينيو"، وقد يؤدي هذا التشابك إلى تضخيم تداعيات كل تلك العوامل. ويرى النجار أن العالم أمام خطر حقيقي يستدعي التحرك السريع لتفادي سيناريو انكشاف سلاسل إمداد الغذاء، حيث يجب على الدول المستوردة للغذاء، صياغة استراتيجيات عاجلة لتنويع مصادر الاستيراد، وتعزيز مخزوناتها الاستراتيجية من السلع الأساسية، وتأمين إمدادات الأسمدة والطاقة اللازمة لاستمرار الإنتاج الزراعي، محذراً من أن التهاون في معالجة هذه المخاطر قد يؤدي إلى تفاقم الضغوط على الأسواق الغذائية، وارتفاع الأسعار بصورة أكبر، بما يهدد الأمن الغذائي ويزيد الأعباء المعيشية على الأسر، خصوصاً في الدول الأكثر اعتماداً على الاستيراد والأقل قدرة على امتصاص الصدمات الاقتصادية. وبحسب النجار، فإن الحل على المدى البعيد يتطلب الانتقال من سياسات الاحتواء المؤقتة إلى بناء منظومة زراعية وغذائية أكثر كفاءة واستقلالية في مواجهة الصدمات، ويشمل ذلك التوسع في استخدام تقنيات "التسميد الدقيق" التي تساعد على ترشيد استهلاك الأسمدة مع الحفاظ على إنتاجية التربة، إلى جانب تعزيز الاعتماد على الطاقة الشمسية لتشغيل مضخات الري، والتوسع تدريجياً في استخدام الآليات الزراعية الكهربائية، بما يحد من تأثر تكاليف الإنتاج بتقلبات أسعار الديزل، كما يتطلب الأمر تطوير آليات للاستيراد الجماعي وتعزيز الشراكات الإقليمية بين الدول المستوردة، بما يسهم في خفض تكاليف الشحن وتنويع مسارات التوريد، لافتاً إلى أن جميع هذه الخطوات تقلل الاعتماد على مصادر الإمداد المعرضة للاضطرابات، وتعزز قدرة الأسواق على مواجهة الصدمات الجيوسياسية والمناخية.
المصدر: سكاي نيوز عربية