العربية .. هل نفقد لغتنا ونحن نتحدث بها
د. هيفاء ابوغزالة لو أتيح لأحد أجدادنا أن يقرأ اليوم الرسائل التي يتبادلها بعض أبنائنا عبر هواتفهم، فربما ظن أنه أمام لغة جديدة لا يعرفها! كلمات عربية تُكتب بأحرف لاتينية، وأرقام تحل محل الحروف، وعبارات تبدأ بالعربية وتنتهي بالإنجليزية. فالرقم (3) أصبح بديلاً عن حرف العين، والرقم (7) عن الحاء، والرقم (5) عن الخاء، حتى باتت بعض المحادثات تحتاج إلى قاموس خاص لفهمها. والأغرب أن هذه اللغة الهجينة، التي يُطلق عليها «العربيزي»، لم تعد مجرد وسيلة للكتابة السريعة، بل أصبحت جزءاً من أسلوب التواصل اليومي لدى بعض الشباب والطلبة.وقد تبدو هذه الظاهرة مجرد موضة شبابية فرضتها التكنولوجيا، لكن السؤال الذي يستحق التوقف عنده: هل نحن أمام طريقة جديدة للتواصل، أم بداية تراجع في علاقة الأجيال الجديدة بلغتها الأم؟جميعنا يذكر كيف كنا نتعلم العربية على مقاعد الدراسة، وكيف كنا نحفظ القصائد والنصوص والقواعد، ونتدرب على الإملاء والخط والتعبير، ونُطالب بكتابة الإجابات كما وردت في الكتب المدرسية. وأراهن أن معظم ما حفظناه قد تبخر من ذاكرتنا منذ سنوات طويلة. ومع ذلك، لا يمكن إنكار أن تلك المدارس أسهمت في تخريج أجيال من العلماء والأطباء والمهندسين والمفكرين والباحثين الذين تركوا بصماتهم في مختلف المجالات.وليس المقصود تمجيد أساليب التعليم القديمة، فقد اعتمد بعضها على الحفظ والتلقين، وإنما التوقف عند ما ينبغي أن نحتفظ به من تلك التجربة، وفي مقدمته الاهتمام بالقراءة والكتابة والتعبير، إلى جانب الدور التربوي الذي كانت تؤديه المدرسة والأسرة في بناء شخصية الطالب وعلاقته بلغته وثقافته.أما اليوم، فإن ما يستوقفني ليس استخدام الشباب كلمات أجنبية في أحاديثهم، فالتفاعل بين اللغات ظاهرة عرفتها المجتمعات عبر التاريخ، وإنما ما نلاحظه لدى بعض الطلبة من صعوبة في قراءة نص عربي قراءة سليمة، أو كتابة فقرة قصيرة دون أخطاء، أو التعبير عن أفكارهم بلغة واضحة ومترابطة. وهي ملاحظات لا يجوز تعميمها على جيل كامل، لكنها تستحق دراسة جادة لمعرفة أسبابها.ولعل المفارقة أن بعض الأسر تبدي اهتماماً كبيراً بإتقان أبنائها الإنجليزية منذ طفولتهم المبكرة، وتعتبر ذلك دليلاً على التفوق، لكنها قد لا تشعر بالقلق نفسه عندما يتعثر الطفل في قراءة قصة عربية أو كتابة رسالة بسيطة بلغته الأم. ولا خلاف على أهمية تعلم اللغات الأجنبية، لكن لماذا لا نمنح العربية الاهتمام نفسه؟ وكيف نريد لأبنائنا أن ينفتحوا على ثقافات العالم إذا لم نساعدهم أولاً على امتلاك أدوات التعبير عن ثقافتهم وهويتهم؟إن العربية ليست مجرد حروف وقواعد نحوية، بل أداة للتفكير والفهم والتعبير، ووعاء لذاكرتنا الثقافية والحضارية. وعندما تضعف قدرة الطالب على القراءة والكتابة، فإن المشكلة لا تتوقف عند حدود مادة اللغة العربية، بل قد تمتد إلى تعلم العلوم الأخرى وتحليل الأفكار والتعبير عنها.ومن المهم ألا نخلط بين اللهجات العربية المحكية، التي تمثل جزءاً أصيلاً من تنوعنا الثقافي، وبين الاعتماد المستمر على كتابة العربية بحروف أجنبية وأرقام. فليس المطلوب أن يتحدث الجميع بالفصحى في حياتهم اليومية، وإنما أن يمتلك كل متعلم القدرة على قراءتها وكتابتها والتعبير بها بثقة.والمثير للاهتمام أن بعض الدول التي توسعت في إدخال التكنولوجيا إلى المدارس بدأت تعيد الاعتبار للكتب المطبوعة والكتابة اليدوية، خصوصاً في السنوات الأولى. فقد اتجهت السويد، على سبيل المثال، إلى تعزيز القراءة من الكتب والكتابة بالقلم والورقة، في إطار مراجعة دور الشاشات في تعليم الأطفال.وهنا يبرز سؤال يستحق أن تطرحه مؤسساتنا التعليمية: هل اندفعنا نحو رقمنة التعليم قبل أن نضمن إتقان أطفالنا القراءة والكتابة؟ فالعودة إلى القلم والورقة ليست تراجعاً عن الحداثة، بل إعادة ترتيب للأولويات، بحيث يكتسب الطفل المهارات الأساسية قبل التوسع في استخدام الأدوات الرقمية.لكن المسؤولية لا تقع على المدرسة وحدها. فكيف نطالب أبناءنا بالاعتزاز بالعربية إذا كانت غائبة عن كثير من أحاديثنا وقراءتنا ومراسلاتنا اليومية؟ وكيف نشجع الطفل على القراءة إذا لم يجد في منزله كتاباً عربياً، أو لم يرَ أسرته تمارس القراءة؟ إن اللغة لا تُكتسب من المناهج وحدها، بل من البيئة التي يعيش فيها الإنسان.ولذلك، فإننا بحاجة إلى مراجعة أساليب تعليم العربية، بحيث تصبح لغة محببة للطلبة من خلال القراءة والحوار والقصص والأنشطة الإبداعية، مع إعادة الاعتبار للإملاء والخط والتعبير الشفهي والتحريري. والأهم أن نقيس قدرة الطالب على استخدام لغته فعلياً، لا مجرد نجاحه في امتحانها.وفي عصر الذكاء الاصطناعي، تكتسب هذه القضية أهمية مضاعفة. فإذا كنا نريد للعربية مكانة في العالم الرقمي، فعلينا أن نُعد أجيالاً قادرة على استخدامها في البحث والإبداع وإنتاج المعرفة، وأن نستثمر في تطوير المحتوى العربي والتطبيقات التعليمية بلغتنا، بدلاً من الاكتفاء باستهلاك ما تنتجه اللغات الأخرى.إن الحفاظ على العربية مسؤولية مشتركة بين المدرسة والأسرة والجامعات والمؤسسات الثقافية والإعلامية، ولا يتحقق بالاحتفالات السنوية والخطب التي تتغنى بتاريخها، بل بجعلها لغة حية في التعليم والعمل والحياة اليومية.ولا أعتقد أن العربية مهددة بالاختفاء، فهي لغة عريقة يتحدث بها مئات الملايين، لكن ما ينبغي أن يقلقنا هو اتساع المسافة بين اعتزازنا بها وقدرتنا الفعلية على استخدامها، وأن نكتفي بالفخر بتاريخها بينما تتراجع مهارات بعض أبنائنا في قراءتها وكتابتها.ولعل أكثر ما يدعو إلى القلق ليس أن أبناءنا أصبحوا يكتبون العربية بأحرف أجنبية وأرقام، بل أن يأتي يوم يجد فيه بعضهم صعوبة في كتابتها بحروفها الأصلية.فاللغة لا تفقد مكانتها حين نتعلم لغات أخرى، وإنما حين نتوقف عن استخدامها وإتقانها وإنتاج المعرفة بها. وإذا كنا نحرص على أن يتعلم أبناؤنا لغات العالم ليفتحوا أبواب المستقبل، فعلينا ألا نسمح بأن يُغلقوا خلفهم باب لغتهم الأم. فالأمم التي تعتز بلغتها لا تكتفي بأن تحفظ تاريخها، بل تكتب مستقبلها بها.
المصدر: عمون