ترشيد أم تمديد؟
تضع القرارات الحكومية الأخيرة المتعلقة بترشيد الإنفاق العام وتمديد ساعات الدوام الرسمي المؤسسات العامة أمام معادلة اقتصادية وإدارية تحتاج إلى توضيح وتكامل في الأهداف وآليات التنفيذ، ففي الوقت الذي تطلب فيه الحكومة من الجهات العامة خفض النفقات غير الضرورية وضبط استهلاك الموارد وإعادة ترتيب أولويات الإنفاق، تتجه في المقابل إلى زيادة ساعات العمل اليومية ساعة إضافية، بما قد يترتب عليه من ارتفاع في تكاليف التشغيل والطاقة والتدفئة والنقل والخدمات المساندة، وهنا يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن تحقيق الانضباط المالي مع زيادة ساعات تشغيل المؤسسات، وما العائد الاقتصادي والخدمي الذي يبرر هذه الزيادة؟ من حيث المبدأ، لا يوجد تعارض حتمي بين القرارين، إذا كانت زيادة ساعات الدوام ستؤدي إلى إنجاز معاملات أكثر وتحسين الخدمات بما يفوق تكلفتها الإضافية، لكن هذا التوازن لا يتحقق بمجرد تمديد ساعات الحضور، بل يحتاج إلى حسابات واضحة تقارن بين الكلفة والعائد. فبلاغ الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية بشأن ترشيد الإنفاق، دعا إلى خفض النفقات غير الضرورية وإعادة ترتيب أولويات المشاريع الاستثمارية، شملت أيضاً خفض مخصصات الوقود للسيارات والآليات الحكومية بنسبة 30 بالمئة. في المقابل، جاء قرار تحديد الدوام الرسمي للجهات العامة ذات الطابع الإداري، ليزيد مدة الحضور اليومي للموظفين في جهاتهم العامة، وهو ما يفرض احتساب أثره على النفقات التشغيلية، ولاسيما في المؤسسات التي ستحتاج إلى استمرار الإنارة والتدفئة واستخدام التجهيزات والخدمات المساندة مدة أطول. المسألة هنا لا تتعلق بالاعتراض على الانضباط الوظيفي أو أهمية تطوير الإدارة العامة، بل بضرورة تحديد المشكلة التي يستهدف القرار معالجتها فزيادة ساعات الدوام لا تعني بالضرورة زيادة الإنتاجية، وأن الأولوية ينبغي أن تكون لتقييم حجم المعاملات المنجزة، والمدة اللازمة لإنجازها، وأسباب التأخير، وتبسيط الإجراءات وتوزيع العاملين وفق الحاجة الفعلية. كما أنه من الضروري ضبط الدوام وربط الالتزام الوظيفي بالإنجاز وتقييم الأداء، ولكن من الضروري أيضاً معالجة ضعف الأجور وتكاليف النقل وتحسين البيئة الوظيفية، لأن مطالبة الموظف بمزيد من الالتزام والإنتاجية دون توفير الظروف المناسبة قد تحول الإصلاح الإداري إلى عبء إضافي عليه قد يؤدي إلى استنزاف الموظفين وإضعاف جودة حياتهم، بل وتفاقم تسرب الكفاءات أو انخفاض كفاءة العمل. واللافت أن الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية، في توضيحها اللاحق للقرار، أكدت أن الهدف من الساعة الإضافية هو إتاحة وقت أكبر لإنجاز الأعمال وتحسين التنسيق، بالتوازي مع تطوير أساليب الإدارة وتبسيط الإجراءات، مشيرة إلى أن زيادة الدوام لا تعني بالضرورة وجود ضعف في أداء الموظفين. والأهم أن التوضيح الحكومي لم يكتفِ بتبرير القرار، بل أشار صراحة إلى ضرورة احتساب الكلفة الإضافية للتشغيل، بما يشمل الطاقة والتدفئة والنقل والخدمات المساندة، ومقارنتها بالعائد المتوقع من تحسين الإنتاجية وتسريع إنجاز الأعمال كما تحدث عن قياس عدد المعاملات اليومية ومتوسط زمن إنجازها وحجم الملفات المتراكمة، واقترح مراجعة أولية للقرار بعد ثلاثة أشهر من تطبيقه، وهذا التوجيه يحتاج إلى تحويله من توضيح نظري إلى آلية تنفيذية ملزمة لجميع المؤسسات، بحيث لا يصبح تمديد الدوام مجرد زيادة في ساعات الحضور إذا لم ينجح في تحقيق نتائج محددة يمكن قياسها ومحاسبة الإدارات على أساسها. ولمعالجة الأكثر منطقية كان يجب البدء بتقييم حاجة كل مؤسسة إلى الساعة الإضافية، بدلاً من افتراض أن جميع الجهات العامة تواجه المشكلة ذاتها، فالمؤسسات التي تشهد ازدحاماً في استقبال المراجعين وتراكم المعاملات قد تحتاج إلى تمديد ساعات تقديم الخدمة، بينما يمكن لمؤسسات أخرى تحسين أدائها من خلال إعادة توزيع العاملين وتبسيط الإجراءات والاستفادة من الخدمات الإلكترونية. كما يمكن اعتماد نظام المناوبات أو تمديد استقبال المواطنين في الوحدات الخدمية التي تتطلب ذلك، بدلاً من إبقاء جميع العاملين والتجهيزات قيد التشغيل للمدة نفسها، وينبغي بالتوازي توضيح الوضع القانوني للساعة الإضافية والاستراحات والتعويضات، ومراعاة الحالات الصحية والاجتماعية وصعوبات التنقل، إلى جانب دراسة إمكان توفير حلول للنقل الجماعي أو تنظيم مواعيد الحضور بصورة أكثر مرونة. والأهم أن تخضع كل مؤسسة لتقييم مالي وإنتاجي قبل تطبيق القرار وبعده، من خلال تحديد كلفة التشغيل الإضافية، وحجم الزيادة الفعلية في الإنجاز، ومدى تحسن الخدمة المقدمة للمواطن، فإذا كانت النتائج لا تتناسب مع الكلفة، ينبغي إعادة النظر في آلية التطبيق أو تخصيص ساعات الدوام الإضافية للوحدات التي تحتاج إليها فعلاً. في المحصلة، لا يكمن التحدي في الاختيار بين ترشيد الإنفاق وتمديد الدوام، بل في ضمان ألا يهدم أحد القرارين الأثر الاقتصادي للآخر، فالإدارة العامة تحتاج إلى وقت كافٍ لإنجاز أعمالها، لكنها تحتاج قبل ذلك إلى تنظيم فعال وموارد تستخدم بكفاءة وموظف قادر على العمل والإنتاج والساعة الإضافية التي لا تحقق قيمة خدمية تتجاوز تكلفتها تصبح إنفاقاً جديداً، مهما كان الهدف المعلن منها. ترشيد الإنفاق الحقيقي لا يعني تقليص الموارد فقط، كما أن إصلاح الإدارة لا يعني زيادة ساعات الحضور، بل يعني تحقيق أكبر قدر ممكن من الخدمة والإنجاز بأقل كلفة ممكنة، وبما يضمن حقوق العاملين ومصلحة المواطنين.
المصدر: الوطن