قراصنة يتجاوزون منصات العملات المشفرة إلى استهداف أموال البنوك
لم تعد الهجمات الإلكترونية التي تستهدف القطاع المالي تقتصر على منصات تداول العملات المشفرة أو حسابات العملاء؛ بل باتت تصل إلى الأنظمة التشغيلية للمؤسسات المالية نفسها، وتستهدف أموال البنوك وشركات التمويل والتأمين، في تطور يسلط الضوء على اتساع المخاطر التي تواجه الصناعة المالية مع تسارع التحول الرقمي وتطور أدوات الاختراق. ولسنوات، ارتبطت أبرز الهجمات الإلكترونية الكبرى بمنصات تداول العملات المشفرة، التي تعرض بعضها لعمليات سرقة بمليارات الدولارات. وأعاد الهجوم الذي استهدف منصة «بينانس» في 29 أكتوبر (تشرين الأول) هذا الخطر إلى الواجهة، بعدما أكد مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي مسؤولية مجموعة كورية شمالية عن سرقة أصول رقمية تجاوزت قيمتها 6 مليارات دولار، وفق تقديرات المكتب. كما تعرضت منصة «بيتجيت» في سبتمبر (أيلول)، لهجوم أسفر عن نقل أصول رقمية بنحو 387 مليون دولار. لكن التطورات الأخيرة تشير إلى أن نطاق الاستهداف لم يعد محصوراً في منصات الأصول الرقمية، مع انتقال الهجمات إلى البنوك وشركات التأمين والتمويل، ووصولها في بعض الحالات إلى الأموال التابعة للمؤسسات نفسها، بدلاً من الاقتصار على سرقة أصول العملاء أو بياناتهم. وفي هذا السياق، أعادت واقعة تعرّض بنك «كريدي موتويل أركيا» الفرنسي لهجوم إلكتروني هذا الأسبوع، تمكن خلاله المهاجمون من تحويل نحو 100 مليون يورو (112.6 مليون دولار) من حساب تابع للبنك إلى مؤسسات مالية أخرى، تسليط الضوء على هشاشة بعض حلقات الأمن الرقمي حتى لدى المؤسسات المصرفية الخاضعة لرقابة مشددة. وقال البنك إن المهاجمين استغلوا منصة تابعة لمزود خدمات خارجي لتنفيذ تحويلات احتيالية، فيما لم تتأثر حسابات العملاء أو أصولهم. وأبلغ البنك الجهات الرقابية الأوروبية والسلطات القضائية بالحادث، بينما فتحت النيابة العامة في باريس تحقيقاً في الواقعة. ويشير الحادث إلى أن المخاطر لا تنشأ بالضرورة من اختراق مباشر لأنظمة البنك؛ بل قد تدخل عبر أطراف خارجية ترتبط بها عمليات مالية حساسة. تزامنت الواقعة مع إعلان هيئة الخدمات المالية في كوريا الجنوبية، الخميس، تعرض 37 مؤسسة مالية لاختراقات وتسريبات بيانات خلال الفترة الممتدة من 30 سبتمبر (أيلول) إلى 3 نوفمبر (تشرين الثاني). وشملت الحوادث 4 بنوك تجارية، و5 شركات استثمار، و3 شركات تأمين، و5 بنوك ادخار، إلى جانب مؤسسات تمويل إلكتروني ومنصات إقراض وشركات تقدم خدمات الأصول الافتراضية. وبلغ عدد حوادث الاختراق المسجلة 40 حادثة، فيما وصل عدد السجلات التي تعرضت بياناتها للتسريب إلى نحو 473 ألفاً. وأوضحت الهيئة أن المعلومات المسربة شملت بيانات موظفين، وأسماء عملاء وأرقام هوياتهم الوطنية وأرقام حساباتهم المصرفية، لكنها لم تسجل حتى الآن حوادث سرقة لكلمات مرور حسابات العملاء، وهي البيانات التي قد تتيح تنفيذ معاملات مالية غير مشروعة بصورة مباشرة. أما الأموال التي تعرضت للسرقة، وقدّرت بنحو مليار وون (745 ألف دولار)، فكانت في معظمها أموالاً تديرها شركات صغيرة تعمل في تداول الأصول الافتراضية والخدمات المالية الإلكترونية والإقراض عبر الإنترنت، ومن بينها أموال محفوظة في محافظ رقمية ساخنة أو أرصدة ونقاط دفع وودائع تديرها هذه الشركات. وفي استجابة لهذه الحوادث، أعلنت الهيئة عزمها إجراء فحوص أمنية على 580 مؤسسة مالية ومراجعة أنظمة الرقابة الداخلية لديها قبل نهاية نوفمبر (تشرين الثاني)، مع التشديد على مساءلة القيادات التنفيذية، بمن في ذلك الرؤساء التنفيذيون، في حال ثبوت الإهمال أو التقصير في إدارة المخاطر الأمنية. وتكشف هذه التطورات عن اتساع نطاق الاستهداف ليشمل حلقات متعددة من الصناعة المالية، من البنوك التقليدية إلى شركات الاستثمار والتأمين ومؤسسات التمويل الرقمي، في وقت تتزايد فيه المخاوف من توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لتسريع عمليات الاختراق وتوسيع نطاقها. في الهند، حذرت وكالة الاستجابة لطوارئ الحاسوب من تصاعد حملة اختراق تستهدف شركات التمويل غير المصرفي ومنصات الإقراض الرقمي وشركات التكنولوجيا المالية ومجمعات المدفوعات ومزودي خدمات الدفع ومنصات العملات المشفرة. وأطلقت الوكالة على الجهة المسؤولة عن الحملة اسم «كرافتِي فالكون»، مشيرة إلى أنها تستخدم أدوات ذكاء اصطناعي متاحة للعامة لأتمتة عمليات الاستطلاع والتسلل واستهداف أنظمة الدفع وصرف التمويلات. وحددت الوكالة مجموعة من الأدوات المستخدمة في الهجمات؛ من بينها «آرتكس»، وهي مجموعة أدوات تعتمد على نماذج لغوية كبيرة؛ و«بنتاغي»، وهو نظام اختبار اختراق ذاتي التشغيل متعدد الوكلاء؛ و«كايرن»، وهو محرك للبحث عن مسارات الهجوم، إلى جانب إطار عمل «سايبر سترايك إيه آي». وتتيح هذه الأدوات تنفيذ سلاسل متكاملة من الهجمات بصورة آلية وبسرعة عالية، مع إنشاء أعداد كبيرة من الشيفرات والبرامج النصية المخصصة للهجوم وتنقيحها، ثم تعديل أساليب الاختراق وفقاً لاستجابات الأنظمة المستهدفة. وبهذا، لا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على مساعدة المهاجم في البحث عن الثغرات؛ بل يمتد إلى تنفيذ مراحل متتابعة من الهجوم وتكييفها بصورة آلية، بما يزيد صعوبة اكتشافها واحتوائها في الوقت المناسب. ولفتت الوكالة إلى أن المهاجمين يستغلون العطلات ونهايات الأسبوع والفترات التي تنخفض فيها مستويات المراقبة الأمنية، كما يعاودون استهداف مؤسسات سبق أن تعرضت للاختراق، خصوصاً إذا لم تستكمل معالجة الثغرات التي سمحت بالهجمات الأولى. وأشارت تقارير صحافية إلى أن باحثين ربطوا اثنتين على الأقل من الأدوات المستخدمة بجهات صينية، لكن الوكالة الهندية لم تنسب الحملة إلى دولة بعينها. ولا تقتصر المخاطر على استخدام الذكاء الاصطناعي أو الاختراق المباشر لأنظمة المؤسسات؛ إذ باتت شركات الخدمات الخارجية تمثل إحدى نقاط الضعف الرئيسية في القطاع المالي؛ فالمؤسسات المصرفية وشركات التأمين تعتمد على مزودين خارجيين لتشغيل منصات تقنية ومعالجة المدفوعات وإدارة البيانات وتقديم خدمات أخرى، ما يجعل اختراق أحد هؤلاء المزودين مدخلاً محتملاً للوصول إلى عمليات مؤسسات مالية متعددة. وتبرز خطورة هذا النوع من الهجمات في أن المؤسسة قد لا تكون هدفاً مباشراً للمهاجمين، ومع ذلك تتعرض عملياتها أو بياناتها للخطر نتيجة اختراق شركة تتولى تقديم خدمة لها. كما أن الاعتماد المشترك على مزودي خدمات محدودين قد يوسع نطاق الأضرار، بحيث لا يتوقف أثر الاختراق عند الشركة المستهدفة أولاً؛ بل يمتد إلى عدد من المؤسسات المرتبطة بها. تعكس الأرقام اليابانية بدورها اتساع التهديد المرتبط بالاحتيال المالي؛ فقد بلغت خسائر عمليات الاحتيال الخاصة في البلاد 261 مليار ين خلال الأشهر التسعة الأولى من العام، بزيادة 48.3 مليار ين على أساس سنوي. وأعلنت وكالة الشرطة الوطنية اليابانية إطلاق آلية لتبادل بيانات الحسابات المستخدمة في الاحتيال مع 807 مؤسسات مالية، بهدف التعرف مبكراً على الحسابات التي تستقبل أموالاً من ضحايا الاحتيال، وتمكين الشرطة والمؤسسات المالية من التدخل قبل وقوع خسائر إضافية. ولا تقتصر هذه الأرقام على الاختراقات الإلكترونية؛ بل تشمل طيفاً أوسع من عمليات الاحتيال المالي، بما فيها تلك التي تستخدم القنوات الرقمية والحسابات المصرفية لنقل الأموال. ولا تعني هذه الحوادث بالضرورة وجود حملة عالمية واحدة منسقة، لكنها تكشف عن تنوع أساليب استهداف المؤسسات المالية؛ من انتحال صفة موظفي البنوك والتلاعب بالتحويلات إلى اختراق الموردين ومزودي الخدمات واستغلال أدوات الذكاء الاصطناعي، فضلاً عن استخدام الحسابات المصرفية والقنوات الرقمية لنقل الأموال المسروقة وإخفاء مساراتها. ولا تقتصر تداعيات هذه الهجمات على الأموال المفقودة والبيانات المسربة؛ بل تمتد إلى زيادة الأعباء المالية التي تتحملها المؤسسات لحماية أنظمتها واستعادة عملياتها بعد الاختراقات، في وقت باتت فيه تكلفة الحماية والتعافي جزءاً متزايد الأهمية من إدارة المخاطر في القطاع المالي. تنعكس المخاطر المتزايدة على حجم الإنفاق الذي تخصصه المؤسسات المالية لتعزيز دفاعاتها الرقمية. وأظهر استطلاع أجرته شركة «برايس ووترهاوس كوبرز» ونشرته في فبراير (شباط) 2026، أن نحو 74 في المائة من البنوك حول العالم تخطط لزيادة ميزانياتها المخصصة للأمن السيبراني خلال العام، في مؤشر على تحول الحماية الرقمية إلى أولوية متقدمة في خطط الإنفاق وإدارة المخاطر. وعلى مستوى الاقتصاد العالمي، تتوقع شركة «غارتنر» ارتفاع الإنفاق على أمن المعلومات إلى 244 مليار دولار في عام 2026، مقارنة بنحو 213 مليار دولار في 2025، علماً بأن هذه الأرقام تشمل مختلف القطاعات الاقتصادية ولا تقتصر على المؤسسات المالية. وفي المقابل، تكشف تقديرات صندوق النقد الدولي عن حجم الخسائر التي يتعرض لها القطاع؛ إذ بلغت الخسائر المباشرة الناجمة عن الحوادث السيبرانية المبلغ عنها في المؤسسات المالية نحو 2.5 مليار دولار بين عامي 2020 و2023. وحذر الصندوق من أن الخسائر غير المباشرة تتجاوز المباشرة بأضعاف، ما يعني أن التكلفة الفعلية قد تكون أعلى بكثير من الأرقام المسجلة، خصوصاً في ظل عدم الإبلاغ عن جميع الحوادث. وتشمل هذه الخسائر غير المباشرة تكاليف توقف الخدمات وتعطل العمليات، والتحقيقات الفنية واستعادة الأنظمة والبيانات، فضلاً عن الأعباء القانونية والتنظيمية وتراجع ثقة العملاء. وبذلك، لا تعكس قيمة الأموال المسروقة وحدها حجم الضرر الذي قد يلحق بالمؤسسة؛ إذ يمكن أن تستمر تداعيات الاختراق حتى بعد استعادة الأنظمة وتشغيل الخدمات مجدداً. ووفق تقرير لوزارة الخزانة البريطانية نشر في يوليو (تموز) 2026، ارتفع متوسط تكلفة التعافي من هجمات الفدية لدى المؤسسات المالية عالمياً إلى 2.04 مليون جنيه إسترليني في عام 2024، باستثناء مدفوعات الفدية، مقابل 1.76 مليون جنيه في العام السابق. ويعكس ذلك ارتفاع الأعباء المرتبطة باستعادة الأنظمة والعمليات، حتى من دون احتساب المبالغ التي قد تدفعها المؤسسات للمهاجمين مقابل فك التشفير أو استعادة البيانات. لا تقف تداعيات الهجمات عند الخسائر المالية المباشرة؛ إذ قد تمتد إلى تعطيل الخدمات والمدفوعات والإضرار بثقة العملاء، بما يهدد الاستقرار المالي، خصوصاً مع تزايد الترابط بين البنوك وشركات الخدمات المالية واعتمادها على بنية تكنولوجية مشتركة. وفي دراسة بحثية نشرها صندوق النقد الدولي في مارس (آذار) 2026، تناولت تطور الحوادث السيبرانية والاحتيال الرقمي في القطاع المالي عبر 162 دولة و20 قطاعاً اقتصادياً، شكلت الحوادث المرتبطة بالقطاع المالي نحو 10 في المائة من إجمالي الحوادث السيبرانية المرصودة خلال العقد الماضي. وتركزت هذه الحوادث بصورة أساسية في قطاعي البنوك والأوراق المالية، بينما اقتربت حالات الاحتيال المدعوم إلكترونياً من 3 أمثال مستوياتها السابقة. وحذر الصندوق من أن البيانات المتاحة قد تقلل من الحجم الفعلي للمخاطر، بسبب عدم الإبلاغ عن بعض الحوادث والفجوات في البيانات بين الدول. وأشار إلى أن الترابط بين المؤسسات المالية واعتمادها على الأنظمة ومزودي الخدمات المشتركين قد يوسع أثر الهجمات من مؤسسة إلى أخرى، بما يهدد استمرارية الخدمات والمدفوعات وثقة العملاء، وصولاً إلى الاستقرار المالي. وبذلك، لم تعد حماية الأنظمة المصرفية مسؤولية أقسام التقنية وحدها؛ بل أصبحت جزءاً أساسياً من إدارة المخاطر والحوكمة والرقابة على الأطراف الخارجية. ومع تطور أدوات الهجوم المدعومة بالذكاء الاصطناعي واتساع الاعتماد على الخدمات الرقمية، باتت قدرة المؤسسات المالية على اكتشاف الاختراقات واحتوائها وضمان استمرارية خدماتها، عاملاً مؤثراً في سلامة القطاع المالي ككل.
المصدر: الشرق الأوسط