شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

شتاء ثالث في غزة بلا إعمار.. كيف يتحول المنخفض الجوي إلى كارثة متكررة؟

شتاء ثالث في غزة بلا إعمار.. كيف يتحول المنخفض الجوي إلى كارثة متكررة؟

ما يجري في غزة ليس مجرد تداعيات عاصفة شتوية عابرة، بل صورة متجددة لكارثة إنسانية مستمرة منذ ثلاث سنوات، تتكرر مع كل موسم أمطار غزة - شبكة قدس: مع أول منخفض جوي لهذا الشتاء، عادت مشاهد الغرق في قطاع غزة؛ خيام تمزقها الرياح وتغمرها مياه الأمطار، عائلات تفترش الأرض المبللة، وأطفال يحاول ذووهم حمايتهم من البرد، فيما تنهار جدران ومبانٍ أضعفها القصف الإسرائيلي خلال سنوات الحرب. لكن ما يجري في غزة ليس مجرد تداعيات عاصفة شتوية عابرة، بل صورة متجددة لكارثة إنسانية مستمرة منذ ثلاث سنوات، تتكرر مع كل موسم أمطار، في ظل غياب إعادة الإعمار، واستمرار أزمة الإيواء، وعدم توافر البنية التحتية والمعدات اللازمة لحماية السكان من مخاطر الشتاء. واليوم السبت، أعلن المكتب الإعلامي الحكومي في غزة غرق نحو 70 ألف خيمة خلال 12 ساعة من بدء المنخفض الجوي، مقدرا الخسائر المباشرة الأولية بنحو ثلاثة ملايين دولار، فيما تحدث الدفاع المدني عن تلقيه أكثر من 1500 نداء استغاثة من مواطنين تضررت خيامهم ومراكز إيوائهم. وتزامنت هذه التطورات مع انهيار جدران وأجزاء من مبانٍ متضررة جراء القصف، وإصابة مواطنين، وعمليات إجلاء لسكان من مبانٍ مهددة، في مشهد يعكس حجم المخاطر التي يواجهها النازحون، سواء في خيام لا تقيهم الأمطار والرياح، أو في مبانٍ متصدعة يضطرون إلى اللجوء إليها لغياب البدائل. بعد مرور عام على اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في تشرين الأول/ أكتوبر 2025، لا تزال إعادة إعمار غزة غائبة عن الواقع الميداني، فيما لم تتحول التعهدات المتعلقة بالتعافي وإعادة تأهيل البنية التحتية إلى تحسن ملموس في حياة السكان. وقالت منظمة هيومن رايتس ووتش، في تقرير نشرته في 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2026، إن إعادة الإعمار لم تبدأ بعد عام على الاتفاق، وإن المساعدات لا تزال دون المستويات المطلوبة، مع استمرار عرقلة طرق الوصول الإنساني. ولا تقتصر المشكلة على غياب مشاريع البناء، بل تمتد إلى تقييد إدخال المواد اللازمة لإصلاح المنازل وتجهيز أماكن إيواء أكثر قدرة على مواجهة الظروف الجوية. فبحسب المجلس النرويجي للاجئين، تواصل سلطات الاحتلال منع أو تأخير إدخال مواد أساسية، بينها الأخشاب والإسمنت والصفائح المعدنية، كما تخضع الخيام والشوادر ومواد أخرى لقيود تؤخر وصولها بكميات كافية. وفي تقرير صدر في الخامس من تشرين الأول/ أكتوبر 2026، قال المجلس إن سلطات الاحتلال تسمح بدخول 15 شاحنة أسبوعيا فقط، تحمل مواد تصنفها على أنها «مزدوجة الاستخدام» عبر الأردن، فيما تحتاج شحنات مواد الإيواء الموجودة في طور التوريد، والبالغة 500 شاحنة على الأقل، إلى أكثر من سبعة أشهر لإدخالها بالمعدل الحالي، وفق تقديراته. وتؤدي هذه القيود إلى إبقاء مئات آلاف العائلات في خيام مؤقتة ومتهالكة، بدلا من توفير حلول إيواء أكثر استقرارا، كما تعرقل إصلاح المنازل وشبكات المياه والصرف الصحي وتصريف الأمطار، وتحد من قدرة البلديات والدفاع المدني على الاستجابة للفيضانات والانهيارات. ثلاثة أعوام من الحرب.. والمأساة تتكرر مع الشتاء على امتداد مواسم الشتاء الثلاثة الماضية، لم تكن الأمطار في غزة مجرد ظاهرة جوية، بل تحولت إلى تهديد إضافي لحياة النازحين، بفعل تدمير المنازل والبنية التحتية، واضطرار مئات آلاف العائلات إلى الإقامة في خيام لا توفر الحماية الكافية. وفي كانون الثاني/ يناير 2026، حذرت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» من أن العواصف الشتوية المتكررة دمرت أو ألحقت أضرارا بآلاف الخيام والملاجئ المؤقتة، فيما واجه نحو مليون شخص نقصا في المأوى الملائم، واضطر كثيرون إلى الإقامة في مبانٍ متضررة ومعرضة للانهيار. وهكذا، تتكرر المشاهد ذاتها: أمطار تغمر الخيام، ورياح تقتلع الشوادر، ومياه تتجمع في مواقع النزوح، ومبانٍ متصدعة تهدد حياة ساكنيها، بينما تبقى العائلات أمام خيارات محدودة لا توفر الحد الأدنى من الأمان. تكشف هذه الوقائع أن استمرار القيود على إدخال مواد الإيواء والإعمار، إلى جانب غياب إعادة تأهيل البنية التحتية، لا يترك آثارا آنية فحسب، بل يكرس ظروفا تجعل الكارثة قابلة للتكرار مع كل منخفض جوي. فحين لا يسمح بإصلاح المنازل المتضررة، ولا تتوافر مواد بناء ملاجئ آمنة، ولا تصل المعدات اللازمة لإصلاح شبكات تصريف المياه، يصبح السكان عالقين في دائرة متواصلة من النزوح والخسائر والاستجابة الطارئة، من دون الانتقال إلى مرحلة التعافي وإعادة بناء مقومات الحياة. ولا يمكن اختزال ما يواجهه الغزيون في قسوة الطقس؛ فالمنخفض الجوي يكشف حجم الدمار الذي خلفته الحرب، كما يكشف أثر القيود المستمرة على إدخال مستلزمات الإيواء والإعمار. وبينما تتكرر التحذيرات الدولية والمناشدات الإنسانية، يدفع النازحون ثمن غياب الحلول، ويستقبلون شتاء جديدا في خيام لا تصمد أمام المطر، ومبانٍ لا توفر لهم الأمان. وبذلك، لا تبدو مأساة الشتاء في غزة حادثة موسمية منفصلة، بل امتدادا لأزمة لم تُعالج جذورها بعد؛ أزمة تتجدد مع كل منخفض، ما دام الإعمار معطلا، ومواد الإيواء مقيدة، والبنية التحتية عاجزة عن حماية السكان من أبسط تقلبات الطقس.

المصدر: وكالة القدس