موظفو مراكز الاتصال.. القلب النابض للمؤسسات
د. خالد بن عبدالوهاب البلوشي في كل مؤسسة خدمية ناجحة، هناك واجهة لا تراها العين، وصوت لا تعرف ملامحه، لكنه حاضر في كل لحظة. إنهم العاملون في مراكز الاتصالات ومراكز خدمة العملاء الموظفون المجهولون الذين اختاروا أن يكونوا خط الدفاع الأول، وجسر التواصل وأحيانا الملاذ بين المؤسسة وعميلها. يعملون على مدار الساعة، بلا توقف. في الوقت الذي ينام فيه الجميع، هناك صوت يرد على مسافر تقطعت به السبل في مطار، وعميل بنك يُواجه مشكلة في تحويل عاجل أو بطاقته المصرفية خارج الوطن، وزبون يبحث عن غرفة في فندق، ومريض يبحث عن طبيب متخصص، وخط إنترنت توقف عن العمل ليلاً. هم من يسهلون الخدمة، ويسرّعون الرد، ويحولون القلق إلى طمأنينة، والمشكلة إلى حل. فمهمتهم ليست مجرد الرد على الهاتف؛ بل أكثر؛ إذ إن الخطأ الشائع هو اختزال دورهم في "الرد على المكالمات". الحقيقة أن موظفي مركز الاتصالات هم الأكثر دراية بالمؤسسة من أي شخص آخر. هم من يعرف معظم الأنظمة، وكل القوانين، وكل الاستثناءات، وكل التسهيلات. هم من يعرف كيف يفكر نظام الحجز، وكيف يعمل نظام البنك، وما هو العطل في تطبيق المتجر، وما هو البديل المتاح في شركة النقل والطيران، ومدى توافر الخدمة في مستشفى أو فندق هو دليل المستخدم الحي للمؤسسة بأكملها. بينما تتوزع الأقسام الأخرى كلٌ في تخصصه وينتهي دوامهم في ساعات الدوام الاعتيادية، فإنَّ موظفي مركز الاتصالات يتناوبون ليلًا ونهارًا؛ فهُم الوحيدون الذين يجب أن يعرفوا كل شيء عن كل شيء. هم قسم الحجوزات، وقسم الشكاوى، وقسم التقنية، وقسم العلاقات العامة، وقسم الطوارئ.. في شخص واحد، وفي مكالمة واحدة. لذلك قِيل بحق إنَّ مراكز الاتصالات هي أكاديمية تدريب وتأهيل قادة المؤسسات. فمن ينجح في إدارة غضب أو استياء عميل، وضغط نظام معطل، وقلق مسافر، وتداخل عشرات المكالمات في وقت واحد، هو قائد بالفطرة. هو من تعلم الصبر، والإنصات، والذكاء العاطفي، وسرعة اتخاذ القرار، وهي صفات لا تمنحها شهادات الإدارة العليا. ورغم هذه الأهمية المحورية، تظل هذه الفئة هي الأكثر تهميشاً في معظم المؤسسات الخدمية. هم الأقل اهتمامًا من حيث التحفيز، والأبعد عن دائرة الترقيات، والأكثر عرضة للاحتراق الوظيفي. تقييمهم بعدد الثواني، ومكافآتهم محدودة، ومسارهم الوظيفي يكاد يكون مسدودًا. نطلب منهم أن يبتسموا عبر الهاتف 8 ساعات متواصلة، وأن يمتصوا غضب الآخرين، ثم ننسى أنهم بشر يحتاجون إلى كلمة شكر، وفرصة نمو، وتقدير حقيقي. كم من مؤسسة خسرت سمعتها بسبب إهمالها لموظفي مركز اتصالاتها، وكم من مؤسسة كسبت ولاء عملائها للأبد بسبب موظف مركز اتصالات قال الجملة الصحيحة في اللحظة الصحيحة وأرست الطمأنينة في نفس العميل. في النهاية.. عندما تتصل بمؤسسة وتجد صوتًا هادئًا، محترفًا، يحل مشكلتك في دقائق، تذكر أن خلف هذا الصوت موظف مجهول، اختار أن يكون حاضرًا لأجلك، بينما العالم كله نائم. وأخيرًا.. تحية لكل العاملين في مراكز الاتصالات.. أنتم الواجهة، وأنتم الحل، وأنتم الأكاديمية التي تصنع القادة بصمتٍ.
المصدر: الرؤية