شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

الاقتصاد الفضي في الفضاء الاقتصادي العربي (5-6)

الاقتصاد الفضي في الفضاء الاقتصادي العربي (5-6)

عبيدلي العبيدلي ** الفرص التي يولدها الاقتصاد الفضي في البلاد العربية في المقابل، يحمل الاقتصاد الفضي للعالم العربي فرصًا حقيقية، بعضها ناتج عن التحول الديموغرافي ذاته، وبعضها عن خصوصيات المنطقة. ميزة "الوصول المتأخر" تتمتع المنطقة العربية بنافذة زمنية تمتد عقدين تقريبًا قبل أن تبلغ الشيخوخة ذروتها، تتيح لها تكييف النماذج الناجحة وتجنب أخطاء الآخرين وبناء المؤسسات قبل أن يشتد الطلب. قطاع نمو جديد ومولد للوظائف يدعم الاقتصاد الفضي نحو 40% من وظائف الاتحاد الأوروبي وثلث وظائف العالم. وفي منطقة تعاني أعلى معدلات بطالة الشباب في العالم، يمكنه أن يوفر فرص عمل واسعة للشباب والنساء. العائد الديموغرافي الثاني وتعميق الأسواق المالية مع ارتفاع متوسط العمر المتوقع يزداد حافز الادخار للتقاعد، وإذا أُحسن توجيه المدخرات عبر صناديق تقاعد واستثمار كفؤة عمّقت الأسواق المالية العربية ووفرت تمويلًا طويل الأجل للتنمية. التمويل الإسلامي وإحياء الوقف بلغت أصول التمويل الإسلامي العالمية نحو 3.38 تريليونات دولار عام 2023، ويتركز جزء كبير منها في دول الخليج. ويمكن لهذه الصناعة تطوير صكوك لتمويل مرافق الرعاية والإسكان الفضي، ووثائق للتكافل الصحي والتقاعدي، وصناديق تقاعد إسلامية على غرار التجربة الماليزية. كما يمكن إحياء الوقف في صيغ حديثة كالوقف النقدي والصناديق الوقفية. السياحة الفضية والاستشفائية وسياحة التقاعد تملك المنطقة مقومات طبيعية وحضارية ودينية فريدة لجذب السياح من كبار السن. وتمثل السياحة الدينية فرصة خاصة، ويمكن للمنطقة أن تصبح وجهة لتقاعد المسلمين من أوروبا وآسيا. الثروات السيادية وصناديق التقاعد الخليجية يمكن توجيه جزء من استثمارات الصناديق السيادية وصناديق التقاعد الخليجية نحو تقنيات الشيخوخة والصناعات الدوائية والأجهزة الطبية، بما يحقق عوائد مالية ويبني قدرات صناعية وطنية. رأس المال المعرفي للمتقاعدين يضم جيل المتقاعدين العرب نسبة غير مسبوقة من المتعلمين وأصحاب الخبرات، يمكن استثمارها في الإرشاد المهني والعمل الاستشاري والتطوع وريادة الأعمال الفضية. التحول الرقمي والصحة الرقمية يتيح التحول الرقمي المتسارع، ولا سيما في دول الخليج، بناء حلول رعاية عن بعد وتطبيقات عربية لكبار السن، وهي سوق لم تشبعها بعد الشركات العالمية. النموذج الأسري بوصفه ميزة تنافسية تتجه الدول المتقدمة نحو "الشيخوخة في المكان"، أي بقاء المسن في بيته وبين أهله، وهو نموذج تملكه المجتمعات العربية أصلًا. والفرصة في بناء اقتصاد رعاية يدعم الأسرة بدل أن يحل محلها. التكامل الاقتصادي العربي تملك دول شابة فائضًا من الشباب المؤهل للعمل في قطاع الرعاية، وتملك دول أخرى رؤوس الأموال والطلب المتنامي، مما يتيح بناء سوق عربية فضية مشتركة. متطلبات ازدهار الاقتصاد الفضي في البلاد العربية يتطلب تحويل الفرص السابقة إلى واقع اقتصادي ملموس توافر ثمانية متطلبات متكاملة. المتطلب المؤسسي: رؤية وطنية وجهة مسؤولة أول المتطلبات الانتقال من التعامل مع كبار السن بوصفهم ملفًا اجتماعيًا إلى التعامل مع الاقتصاد الفضي بوصفه قطاعًا استراتيجيًا يدرج في الرؤى التنموية الكبرى، مع جهة وطنية تنسق بين الوزارات المعنية. المتطلب التشريعي: من الحماية إلى التمكين لا بد من إضافة بعد اقتصادي تمكيني إلى التشريعات العربية، يشمل حماية كبار السن من التمييز في العمل والإقراض والتأمين، وتنظيم العمل المرن بعد سن التقاعد، ومعايير جودة ملزمة لخدمات الرعاية، وحوافز ضريبية للمستثمرين. المتطلب المالي: توسيع الحماية الاجتماعية وتنويع التمويل لا يقوم اقتصاد فضي دون قوة شرائية لكبار السن، ولا قوة شرائية دون دخل مضمون. لذا يلزم بناء "أرضيات حماية اجتماعية" تضمن حدًا أدنى من الدخل لكل مسن، وتوسيع التغطية لتشمل العاملين في القطاع غير الرسمي، وإصلاح صناديق التقاعد، وتنويع مصادر التمويل بين الموازنة العامة والتأمين الاجتماعي والتمويل الإسلامي والوقف والزكاة. متطلب رأس المال البشري: بناء كوادر الرعاية يستلزم الاقتصاد الفضي كوادر مؤهلة في طب الشيخوخة والتمريض المتخصص والرعاية المنزلية، وتحسين أجور مهن الرعاية وصورتها الاجتماعية، ودعم مقدمي الرعاية الأسريين. المتطلب المعرفي: البيانات والبحث العلمي ينبغي إجراء مسوح وطنية دورية لأوضاع كبار السن، وقياس حجم الاقتصاد الفضي ومساهمته في الناتج المحلي، وإنشاء مراكز بحثية متخصصة. المتطلب التقني: الابتكار وريادة الأعمال يحتاج الاقتصاد الفضي إلى حاضنات ومسرعات أعمال متخصصة في تقنيات الشيخوخة، وصناديق رأس مال مخاطر، وحلول رقمية عربية، وبرامج لمحو الأمية الرقمية لدى كبار السن. المتطلب العمراني: مدن صديقة لكبار السن ينبغي إدماج معايير منظمة الصحة العالمية للمدن الصديقة لكبار السن في التخطيط العمراني العربي. المتطلب الثقافي والقيمي: خطاب جديد عن الشيخوخة يتطلب الازدهار إحلال خطاب "الشيخوخة النشطة والصحية" محل خطاب العجز، وإبراز النظرة الإسلامية التي تجمع بين إكرام الكبير وتقدير خبرته، والدعوة إلى العمل والعطاء ما دام الإنسان قادرًا عليه. مقارنة الاقتصاد الفضي بقطاعات اقتصادية كبرى يتفوق الاقتصاد الفضي في الحجم على جميع القطاعات المقارنة، إذ تبلغ المساهمة الاقتصادية لمن تجاوزوا الخمسين نحو 45 تريليون دولار (34% من الناتج العالمي)، أي قرابة أربعة أضعاف قطاع السفر والسياحة، وسبعة أضعاف اقتصاد الاتصالات المتنقلة، وخمسة عشر ضعف الإنفاق العسكري العالمي. فقطاع السفر والسياحة والترفيه يبلغ 11.6 تريليون دولار، أي 9.8% من الناتج العالمي عام 2025، ويوفر 366 مليون وظيفة، لكنه شديد الحساسية للأزمات والأوبئة والنزاعات. ويبلغ اقتصاد الاتصالات المتنقلة 6.5 تريليونات دولار، أي 5.8% من الناتج العالمي عام 2024، وأثره الأكبر غير مباشر عبر رفع إنتاجية القطاعات الأخرى. أما التعليم فبلغ الإنفاق الإجمالي عليه نحو 5.4 تريليونات دولار عام 2021، وهو الاستثمار الأعلى أثرًا في رأس المال البشري. وبلغ صافي دخل قطاع النفط والغاز نحو 4 تريليونات دولار في عام 2022 الاستثنائي، مقابل متوسط 1.5 تريليون في السنوات السابقة؛ وهو كثيف رأس المال محدود التشغيل، ويُتوقع تراجع الطلب عليه على المدى الطويل. وبلغ الإنفاق العسكري العالمي 2.887 تريليون دولار، أي 2.5% من الناتج عام 2025، وكلفة فرصته البديلة عالية. على أن هذه المقارنة تستلزم الحذر، لأن مؤشرات كل قطاع تقيس أشياء مختلفة (قيمة مضافة، أو إنفاق، أو دخل)، ولأن الاقتصاد الفضي قطاع عرضي يتقاطع مع القطاعات الأخرى. ** خبير إعلامي

المصدر: الرؤية