سماء عيسى وطارش قطن.. تجمعهما سماء واحدة
محمد بن سلطان الساعدي هناك أسماء تظل حاضرة في الذاكرة الثقافية، ليس لأنها كتبت أو أبدعت فحسب، وإنما لأنها استطاعت أن تترك أثرًا في وجدان الناس، وأن تجعل من الكلمة مساحة للتعبير عن الإنسان والمكان والهوية. ومن بين هذه الأسماء يبرز الشاعران العُمانيان سماء عيسى وطارش قطن، اللذان جمعهما مؤخرًا تكريم خليجي في العاصمة البحرينية المنامة، ضمن مناسبة ثقافية احتفت بعدد من الرموز الإبداعية في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية. تواصلت مع الزميل طارش قطن حينما علمت بخبر تكريمه هو والشاعر المبدع سماء عيسى من قبل الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية. وقد أعاد إليّ هذا التواصل شيئًا من ذكريات الصداقة التي جمعتني بطارش منذ فترة طويلة، حيث كان بيننا تواصل مستمر، وكنت أتابع تجربته الشعرية وما يقدمه للأغنية العُمانية من كلمات تحمل الكثير من الإحساس والارتباط بالمكان والإنسان. وأتذكر أن أول مقالة كتبتها عن هذا الشاعر الغنائي كانت بعنوان «طارش قطن.. شاعر غنائي من الطراز الرفيع»، وقد نشرها الزميل أحمد الهاشمي يومها في موقعه، وكانت تلك المقالة محاولة للتعريف بتجربة شاعر يستحق أن نتوقف عند كلماته، وأن نتعرف على مسيرته وما قدمه للأغنية العُمانية. واليوم، وبعد مرور تلك السنوات، أجدني أكتب مرة أخرى عن طارش قطن، ولكن هذه المرة بمناسبة تكريمه إلى جانب قامة أدبية أخرى، هو الشاعر سماء عيسى، في مشهد يجمع تجربتين مختلفتين في الشكل، لكنهما تلتقيان في الانتماء إلى الكلمة والإبداع العُماني. إن تكريم الشاعرين لم يكن مناسبة عابرة، بل جاء تقديرًا لإسهاماتهما في إثراء المشهد الثقافي الخليجي، حيث كرّمت الأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية نخبة من المبدعين من دول المجلس، وذلك على هامش الاجتماع الثلاثين لوزراء الثقافة، الذي استضافته العاصمة البحرينية المنامة في السادس من نوفمبر 2026. وقد كان من بين المكرمين اسمان من سلطنة عُمان، هما الشاعر والناقد السينمائي عيسى بن حمد الطائي المعروف باسم سماء عيسى، والشاعر الغنائي أحمد بن مسلم بن سعيد قطن المعروف باسم طارش قطن. ولعل ما يلفت الانتباه في هذا التكريم هو اجتماع تجربتين أدبيتين وفنيتين مختلفتين تحت مظلة واحدة؛ فسماء عيسى ينتمي إلى عالم القصيدة الحديثة، وله حضوره في الشعر والسرد والنقد والمسرح، بينما ارتبط اسم طارش قطن بالأغنية العُمانية، وبالكلمة التي وجدت طريقها إلى ألحان وأصوات فنانين عُمانيين وعرب. وبين القصيدة التي تقرأها العين وتستوعبها الذاكرة، والكلمة التي تحملها الألحان إلى الناس، تتسع مساحة الإبداع العُماني. سماء عيسى اسم أدبي ارتبط بمراحل مهمة من تطور القصيدة العُمانية الحديثة. فمنذ سبعينيات القرن الماضي بدأت تجربته الإبداعية تتشكل، في فترة كانت فيها الكتابة الشعرية في عُمان تبحث عن مسارات جديدة، وتعمل على توسيع أفق التعبير والتجريب. ولم تكن تجربته محصورة في كتابة الشعر وحده، بل امتدت إلى مجالات أدبية أخرى، من بينها السرد والنقد والمسرح، إلى جانب اهتمامه بالنقد السينمائي. وقد استطاع سماء عيسى أن يبني لنفسه حضورًا أدبيًا عبر سنوات طويلة من العمل والكتابة، وأن يواصل تجربته بعيدًا عن الاستعجال، مستندًا إلى قراءة عميقة للحياة وتحولاتها. فالقصيدة لديه ليست مجرد كلمات موزونة أو عبارات جميلة، وإنما مساحة للتأمل في الإنسان والذاكرة والمكان، وما يحيط به من أسئلة وتفاصيل. وتشير المعلومات المنشورة بمناسبة تكريمه إلى أن تجربته الأدبية أثمرت أكثر من عشرين ديوانًا شعريًا، إلى جانب أعمال في السرد والنقد والمسرح. وهذا الإنتاج يعكس امتداد تجربته وتعدد اهتماماتها، ويؤكد أن حضوره في المشهد الثقافي لم يأت من مجال واحد، بل من مسيرة متنوعة حاول من خلالها أن يقدم رؤيته الخاصة للأدب والحياة. وليس من السهل على أي كاتب أن يحافظ على حضوره طوال هذه السنوات، خصوصًا في عالم تتغير فيه أشكال الكتابة ووسائل النشر واهتمامات القراء. لكن التجربة التي تستمر وتجد من يقرأها ويتفاعل معها تظل قادرة على إثبات مكانتها. ومن هنا يأتي هذا التكريم بوصفه تقديرًا لمسيرة أدبية طويلة، ولإسهام شاعر عُماني في إثراء المكتبة العربية والقصيدة الحديثة. أما طارش قطن، فإن الحديث عنه يأخذنا إلى مساحة أخرى من الإبداع، مساحة الأغنية التي تصل إلى الناس دون حواجز، وترافق تفاصيل حياتهم ومناسباتهم وذكرياتهم. فالشاعر الغنائي له مسؤولية مختلفة؛ لأنه يكتب نصًا سيغادر الورق إلى صوت الفنان، ثم ينتقل عبر اللحن إلى جمهور واسع، وقد تظل بعض كلماته حاضرة في ذاكرة المستمعين سنوات طويلة. ومنذ انطلاق مسيرته الفنية عام 1995، عمل طارش قطن على تقديم نصوص غنائية أسهمت في إثراء الأغنية العُمانية، وتعاون مع عدد من الفنانين العُمانيين والعرب. وقد تميزت تجربته بالاهتمام بالمفردة وبالمعنى، وبالقدرة على التعامل مع موضوعات متعددة، من الأغنية الوطنية إلى الموضوعات الاجتماعية والوجدانية، وهو ما أتاح لكلماته أن تجد مكانها في تجارب فنية مختلفة. ولعل المتابع للأغنية العُمانية يدرك أن الشاعر الغنائي لا تقل مسؤوليته عن مسؤولية الملحن أو الفنان الذي يؤدي العمل؛ فالكلمة هي البداية، وهي التي تمنح الأغنية موضوعها وروحها. وقد استطاع طارش قطن أن يجعل من تجربته مساحة للتعبير عن عُمان، وعن مشاعر الناس وارتباطهم بأرضهم، وأن يقدم نصوصًا تتعامل مع الأغنية بوصفها جزءًا من الثقافة والذاكرة الوطنية. ومن الجميل أن يأتي هذا التكريم ليعيد تسليط الضوء على دور الكلمة الغنائية في المشهد الثقافي، إذ لا ينبغي أن تظل الأغنية خارج دائرة الاهتمام الأدبي، فالكثير من النصوص الغنائية تحمل قيمة شعرية وجمالية، وتستحق القراءة والتوثيق والدراسة. كما أن المحافظة على هذا اللون من الإبداع تعني المحافظة على جانب من الذاكرة الفنية العُمانية، التي شارك في بنائها شعراء وملحنون وفنانون عبر أجيال مختلفة. وإذا كان سماء عيسى قد اختار القصيدة الحديثة مجالًا للتعبير عن رؤيته، فإن طارش قطن اختار الأغنية لتكون طريقه إلى الجمهور. ولا أرى أن المقارنة بين التجربتين مطلوبة بقدر ما أن المهم هو إدراك قيمة كل منهما في مجاله. فالإبداع لا يقاس بتشابه الأشكال، وإنما بما يتركه من أثر، وبقدرته على الوصول إلى الإنسان وإضافة شيء إلى حياته الثقافية والوجدانية. ومن هنا تبدو دلالة العنوان «جمعتهما سماء واحدة» أكثر من مجرد تشابه في الأسماء؛ فسماء عيسى يحمل اسمًا أدبيًا أصبح معروفًا في المشهد الشعري، وطارش قطن يحمل تجربة غنائية ارتبطت بالأغنية العُمانية. وقد جمعتهما سماء الثقافة العُمانية والخليجية، وجاء التكريم ليضع تجربتيهما في إطار واحد، تقديرًا لما قدمه كل منهما في مساره الإبداعي. إن مثل هذه المناسبات تفتح المجال أمامنا للحديث عن أهمية تكريم المبدعين، ليس بعد أن تتراكم سنوات عطائهم فقط، وإنما أيضًا من خلال الاهتمام بإنتاجهم وتوثيقه وتعريف الأجيال الجديدة به. فهناك تجارب أدبية وفنية تستحق أن تكون حاضرة في المناهج والبرامج الثقافية واللقاءات الإعلامية، وأن يجد أصحابها المساحة المناسبة للحديث عن مسيرتهم وما واجهوه من تحديات وما تعلموه خلال سنوات العمل. كما أن وجود أسماء عُمانية في مناسبات التكريم الخليجية يعكس حضور السلطنة في المشهد الثقافي المشترك، ويؤكد أن الثقافة تظل إحدى المساحات التي تتقارب فيها المجتمعات الخليجية، من خلال اللغة والتاريخ والتراث والتجارب الإنسانية المتشابهة. فالكلمة لا تعرف الحدود، والقصيدة والأغنية تستطيعان الوصول إلى جمهور واسع، مهما اختلفت اللهجات والبيئات. وأعتقد أن من المهم أن تستثمر المؤسسات الثقافية والإعلامية في سلطنة عُمان هذه المناسبة للتعريف أكثر بتجربتي الشاعرين، وإتاحة الفرصة للمهتمين للاطلاع على أعمالهما، وإعادة تقديم بعض النصوص الشعرية والغنائية التي شكلت جزءًا من مسيرتهما. فالتكريم لا ينبغي أن يكون نهاية الحديث عن المبدع، بل بداية لاهتمام أكبر بمنجزه، ووسيلة لتعريف الأجيال بما قدمه من عمل وجهد. وأعود إلى طارش قطن، الذي جمعتني به صداقة وتواصل منذ سنوات، وإلى تلك المقالة الأولى التي كتبتها عنه، والتي كانت محاولة لتقديم شاعر غنائي من الطراز الرفيع للقارئ. واليوم أجد أن تكريمه إلى جانب سماء عيسى يمثل فرصة أخرى للكتابة عن تجربة تستحق التقدير، وعن شاعر ظل وفيًا للكلمة والأغنية، كما يمثل فرصة للاحتفاء بقامة أدبية عُمانية قدمت الكثير للقصيدة الحديثة. مبارك لسماء عيسى وطارش قطن هذا التكريم المستحق، ومبارك للثقافة العُمانية أن يكون لها حضور في مثل هذه المحافل الخليجية. فلكل منهما طريقته في الكتابة، ولكل منهما جمهوره ومساحته الإبداعية، لكنهما التقيا في تقدير خليجي واحد، تحت سماء الثقافة التي تتسع للجميع.
المصدر: الرؤية