جلالة السلطان يُسطِّر صفحات مشرقة في عواصم صنع القرار العالمي
د. محمد بن عوض المشيخي ** من روائع القيادات الناجحة قدرتها على خلق علاقات مؤثرة ومتوازنة على مستوى العالم من حولنا؛ وبالفعل نجحت سلطنة عُمان في بناء نموذج أخلاقي وسياسي صلب يُنمِّي الوعي الوطني في الداخل ويفرض الاحترام في الخارج، وذلك النموذج العُماني الفريد عبارة عن قصة نجاح مبهرة للجميع لكونه يملك مفاتيح الحل والعقد ويقدم الوصفات التي تعالج كل الأزمات. ودائمًا مسقط هي مرفأ السلام، ومن يسبق في الكشف عن الحلول المقنعة لكل الذين يطلبون العون ويبحثون عن فك المعضلات؛ فخلف كل ذلك مواصفات نادرة الوجود ربان ماهر وقائد شجاع يشار له بالبنان في إقليم أدمته الحروب والفتن والخلافات التي لا تنتهي. فالكاريزما والتأثير العابر للحدود اللذين يمكن ربطهما مباشرة وبدون تردد بواحد من الزعامات العربية القوية التي أبهرت العالم بإمكانياتها الدبلوماسية وعزيمتها وثقتها وقدرتها على إقامة شراكات سياسية واقتصادية وثقافية ناجحة بكل المقاييس، أين ما حل وارتحل هذا القائد؛ إنه حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه. وهذه السطور العابرة قد لا تُعطي هذا الزعيم الكبير حقه؛ فهو يجوب العالم من الشرق إلى الغرب من أجل وطن عظيم اسمه (عُمان) ليبقى هذا البلد شامخًا كما كان عبر القرون. ويمُد جسور الصداقة والمحبة مع شعوب العالم، وينبي أواصر التواصل والتفاهمات الراسخة التي تضيف المزيد من القوة الناعمة للسلطنة ومكانتها الدولية وموقعها الاستراتيجي، وذلك من خلال محورين أساسيين هما؛ أولا: يُعبِّر عن الحاضر المجيد والذي نعيشه جميعًا كشعب في كنف النهضة الهيثمية المتجددة التي يقودها سلطان المجد بحكمة واقتدار. وبالفعل نفخر ونفاخر به جميعًا؛ فنجاح الدبلوماسية العُمانية وثبات مواقفها على الدوام والتي ترى العالم من خلال نظرة متزنة وثاقبة تعبر عن الاحترام المتبادل وترسيخ قيم التسامح ومد جسور التعاون بين شعوب في هذا الكوكب بدون تمييز تعكس وتعبر عن قيمة مضافة ورصيد كبير لهذا الشعب الأصيل. والعالم من أقصاه إلى أقصاه يتسابق لمد أياديه للقيادة العُمانية؛ التي تأتيها الدعوات تباعًا لزيارات الدولة من مختلف قارات العالم والتي تعتبر أعلى مستوى في البروتكولات الرسمية بين الدول والمعبرة عن الرغبة الصادقة لكسب السلطنة وقيادتها الحكيمة والعمل على ترسيخ العلاقات الثنائية بين تلك الدول وبلدنا العزيز على امتداد هذا الكوكب، من بكين في أقصى الشرق إلى لندن في أقصى الغرب. وخلال أقل من 19 شهرًا زار جلالته- يحفظه الله- 4 دول كبرى ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن؛ فكانت البداية بروسيا العام الماضي، ثم فرنسا في زيارة رسمية هذا العام، وبعد ذلك المملكة المتحدة، التي قال ملكها تشارلز الثالث ما تسحقه عُمان من شرف خلال استقباله جلالة السلطان في واندسور؛ إذ استشهد بحديث نبوي شريف في وصف أخلاق وطيبة أهل عُمان. ومسك الختام لهذه الزيارات كانت الصين كزيارة دولة قبل نحو أسبوع؛ فضلًا عن عدة دول أفريقية وأوربية وآسيوية. وهذا الزخم الكبير والحراك العُماني غير المسبوق يعطي رسالة واضحة للجميع بأن صفحات مشرقة ومطرزة بالذهب الخالص قد كتبتها القيادة العُمانية مع عواصم العالم ذات الثقل الاستراتيجي في صنع القرارات التي تتحكم بمستقبل العالم؛ وهي تحمل في طياتها ملفات الوطنية دائما حاضرة في هذه الزيارات السامية. وكانت ملفات الاقتصاد والسياسة والأمن مهيمنة على جدول أعمال هذه الزيارات؛ لأهميتها للمجتمع العُماني؛ فتلك العلاقات الاستراتيجية التي أطلقتها القيادة العُمانية لها ما بعدها من المكاسب التجارية والثقافية والسياسية. ثانيًا: عُمان وعبر تاريخها الطويل باعتبارها أقدم كيان سياسي في الجزيرة العربية، كانت لها علاقات ثقافية وتجارية مع شعوب العالم؛ إذ جاب العُمانيون العالم عبر البحار والمحيطات حاملين معهم رسالة السلام والمحبة وكذلك يحملون في سفنهم البضائع التي يصدرونها إلى موانئ العالم شرقا وغربا منذ قرون طويلة. وكانت علاقة عُمان بالصين- على سبيل المثال- تعود إلى أكثر من 1200 سنة عندما وصلت الأفواج الأولى من التجار العُمانيين عبر السفن الشراعية إلى ميناء كانتون. والسؤال المطروح الآن: لماذا الصين تشكل أهمية كبرى لعُمان؟ لقد تابعنا الاستقبال الحافل الذي تخلله توقيع اتفاقيات مليارية، وعقدت مباحثات بين المسؤولين في البلدين بحضور الزعيمين العُماني والصيني. ولا شك أن أهم ما نحتاجه من الصين في هذه المرحلة توطين الصناعات الأساسية العُمانية ونقل التكنولوجيا الصينية إلى المناطق الصناعية العُمانية في إطار تعاون إستراتيجي مدروس وليس فقط استيراد البضائع الصينية الموجودة أصلا في عُمان وغيرها من الأسواق العالمية. يبدو لي أن الصين هي المستقبل بما تحمله هذه الكلمة من معنى؛ فقد وجه لي سؤال الأسبوع الماضي حول مغزى زيارة جلالة السلطان هيثم إلى بكين؛ فقلتُ بدون تفكير إنها بالفعل زيارة للمستقبل؛ فقد زرت الصين 3 مرات وشاهدت بنفسي التقدم الكبير الذي يتشكل في الجامعات والمصانع في هذه الدولة وإمكانيتها الكبيرة، والكل يتوقع بأن هذه القوة الآسيوية المتعاظمة سوف تتربع على قمة الاقتصاد العالمي وتزيح الولايات المتحدة الأمريكية من مركزها الريادي، باعتبارها الاقتصاد الأول في العالم؛ ويتحول "اليوان" كبديل للدولار؛ فالديون الأمريكية التي وصلت أكثر من 41 تريليون دولار قد تطيح بهذه الإمبراطورية التي ظلت تحتل المركز الأول منذ عقود؛ وربما ينهار الاقتصاد وتصل أمريكا إلى الإفلاس؛ وذلك خلال السنوات القليلة المقبلة؛ فلكل إمبراطورية فترة زمنية معينة، يتبعها السقوط إلى الهاوية؛ وذلك حسب نظرية المفكر العربي والمؤسس لعلم الاجتماع "ابن خلدون". وفي الختام.. إن أهم ما نحتاجه اليوم هو توجيه الاستثمارات الصينية نحو مشاريع الذكاء الصناعي وأشباه المواصلات وصناعة السيارات على أرض عُمان؛ بينما تحتاج الصين في المقابل من السلطنة إلى الموقع الاستراتيجي للسلطنة؛ حيث الموانئ العُمانية المطلة على البحر العربي والمحيط الهندي؛ كما أن الصين تستورد أكثر من 90 بالمائة من إجمالي صادرات النفط العُماني. ** أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري
المصدر: الرؤية