شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

موجة خامسة من الاحتجاجات في فرنسا

موجة خامسة من الاحتجاجات في فرنسا

تستعد فرنسا لأسبوع جديد من الاحتجاجات التي يقودها تلاميذ الثانويات منذ منتصف شتنبر الماضي، وسط ترقب لمظاهرات مرتقبة الثلاثاء، في موجة خامسة من التعبئة الاحتجاجية للمطالبة بتحسين ظروف الدراسة وإصلاح نظام التوجيه الجامعي، فيما تأمل الحكومة الفرنسية أن تشهد الحركة تراجعا خلال الأيام المقبلة، بعد إعلان إجراءات تستهدف الاستجابة لعدد من مطالب المحتجين.

وتأتي هذه التعبئة، التي انطلقت في 17 شتنبر الماضي، في سياق مطالب طلابية تتعلق بتحسين ظروف التعلم وتجديد المؤسسات التعليمية والحد من الاكتظاظ داخل الأقسام، إلى جانب المطالبة بإلغاء منصة “باركورسيب” (Parcoursup)، المعتمدة في تنظيم طلبات الالتحاق بالتعليم العالي، والتي تعتبرها التنظيمات المحتجة أداة للانتقاء تحد من اختيارات التلاميذ بعد حصولهم على شهادة البكالوريا.

وتشكل مظاهرات الثلاثاء المقبل اختبارا جديدا لقدرة التنظيمات التلاميذية والطلابية على المحافظة على زخم الاحتجاجات، بعدما سجلت التحركات الأخيرة تراجعا في أعداد المشاركين مقارنة بالتجمعات السابقة، في وقت تتجه فيه الأنظار أيضا إلى دعوات للتظاهر يوم السبت 17 أكتوبر، انتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي على خلفية مطالب مرتبطة بالقدرة الشرائية، وأعادت إلى الأذهان حركة “السترات الصفراء”.

وأظهرت المعطيات التي أعلنتها وزارة الداخلية الفرنسية تراجعا ملحوظا في أعداد المشاركين في المظاهرات، إذ بلغ عدد المحتجين خلال الثلاثاء الماضي نحو 256 ألف شخص في مختلف أنحاء البلاد، قبل أن يتراجع إلى 71 ألفا و500 متظاهر خلال تحركات الخميس، التي شهدت تجمعات في عدد من المدن، أبرزها العاصمة باريس، حيث احتشد متظاهرون في ساحة الباستيل.

وسجلت وزارة التربية الوطنية الفرنسية بدورها انخفاضا في عمليات إغلاق المؤسسات التعليمية، بعدما تراجع عدد الثانويات التي شملتها الإغلاقات من 157 مؤسسة الخميس إلى 141 مؤسسة الجمعة، وهو ما اعتبرته الحكومة مؤشرا على تباطؤ واضح في وتيرة التعبئة، رغم استمرار دعوات التنظيمات التلاميذية إلى مواصلة الاحتجاج.

وشهدت الأسابيع الماضية مواجهات وأعمال عنف خلال بعض التجمعات والاحتجاجات، من بينها حوادث أدت إلى إصابات خطيرة، أبرزها فقدان تلميذ إحدى يديه، وهو ما دفع الحكومة إلى الانتقال تدريجيا من التركيز على الإجراءات الأمنية إلى تقديم مقترحات مرتبطة بالمطالب التعليمية، في محاولة لاحتواء التوتر وتهيئة الظروف لاستئناف الدراسة بصورة طبيعية.

وفي هذا السياق، أعلن وزير التربية الوطنية الفرنسي إدوار جيفري، الخميس الماضي، عن تعبئة ثلاثة آلاف أستاذ بديل لتوزيعهم على المؤسسات الثانوية التي تعاني أكبر الصعوبات، بهدف معالجة الخصاص في الأطر التربوية والتخفيف من الاضطرابات التي تؤثر في السير العادي للدروس.

ويراهن المسؤولون الفرنسيون على أن يسهم هذا الإجراء في الاستجابة لأحد المطالب المرتبطة بغياب الأساتذة وعدم انتظام الحصص الدراسية، خصوصا أن عددا من التلاميذ يشتكون من اضطرابات في جداولهم الزمنية وتأثيرها في التحصيل الدراسي والاستعداد للامتحانات.

كما أعلن رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو، مساء الأحد، عن نتائج أولية للمساهمات الواردة عبر منصة التشاور التي أطلقتها الحكومة لتلقي اقتراحات التلاميذ وملاحظاتهم بشأن أوضاع المؤسسات التعليمية، مؤكدا أن بعض المقترحات ستجد طريقها إلى تعديلات تعتزم الحكومة تقديمها على مشروع ميزانية سنة 2027.

وأوضح لوكورنو أن المساهمات التي جرى جمعها ستخضع للتحليل بحسب الأكاديميات التعليمية والمؤسسات، بهدف تحديد طبيعة المشكلات المطروحة واقتراح استجابات تتناسب مع خصوصيات كل مؤسسة، بدلا من اعتماد إجراءات موحدة لا تراعي تفاوت الاحتياجات بين الثانويات.

وكشفت المعطيات الحكومية أن 71 في المائة من المساهمات المقدمة عبر منصة التشاور تشير إلى صعوبات مرتبطة بجداول الحصص الدراسية وتنظيم الوقت المدرسي، فيما أثارت نصف المساهمات تقريبا مشكلات تتعلق بحالة المباني والتجهيزات، وهو ما يعكس أهمية الظروف المادية والتنظيمية ضمن المطالب التي رفعها التلاميذ.

غير أن الإجراءات المعلنة لم تنجح حتى الآن في إقناع التنظيمات التلاميذية بإنهاء تحركاتها، إذ اعتبر الاتحاد النقابي للتلاميذ أن التعهدات الحكومية لا تستجيب لحجم المطالب المطروحة، واصفا الإجراءات التي أعلنها وزير التربية الوطنية بأنها مجرد “فتات”، مع تمسكه بمطلب إلغاء منصة “باركورسيب” بصورة نهائية.

ويطالب الاتحاد كذلك بتخصيص خطة تمويلية تبلغ عشرة مليارات يورو لفائدة المؤسسات الثانوية، بهدف تحسين ظروف الدراسة ومعالجة المشكلات المرتبطة بالبنيات التعليمية والتجهيزات والموارد البشرية، فيما دعت التنظيمات النقابية الطلابية والمهنية إلى المشاركة في مظاهرات وإضرابات الثلاثاء، قبل أيام من انطلاق العطلة المدرسية.

وتثير احتمالات استمرار إغلاق المؤسسات التعليمية ومواقع الدراسة قلقا خاصا لدى طلبة الطب، الذين يستعد أكثر من عشرة آلاف منهم لاجتياز اختبارات التخصص الطبي ابتداء من الاثنين، وهي امتحانات وطنية ذات أهمية كبيرة في تحديد التخصصات التي سيتابع فيها الطلبة مساراتهم المهنية.

وتكمن حساسية هذه الاختبارات في طبيعتها الوطنية الموحدة، إذ إن تعطيل الامتحان داخل مركز واحد قد يؤدي إلى إلغائه في جميع المراكز الموزعة على التراب الفرنسي، الأمر الذي يضع الطلبة أمام احتمال تأثر مسارهم الدراسي والمهني في حال امتداد الاحتجاجات إلى مقرات إجراء الاختبارات.

وحذر تيبو باتي، رئيس الجمعية الوطنية لطلبة الطب في فرنسا، في تصريح لإذاعة “فرانس أنفو”، من أن عرقلة هذه الامتحانات لن تؤثر سوى في الطلبة أنفسهم، وقد تتسبب لهم في ضغوط نفسية كبيرة، مع تأكيده في الوقت نفسه مساندة الجمعية للمطالب التي ترفعها التحركات الطلابية.

وتحظى الحركة الاحتجاجية بتأييد قسم مهم من الرأي العام الفرنسي، إذ أظهر استطلاع للرأي أنجزه معهد “إبسوس-بي في آ” ونشرت نتائجه الأحد أن 54 في المائة من الفرنسيين يؤيدون احتجاجات تلاميذ الثانويات، رغم تفاوت مواقف المستجوبين بشأن المطالب التفصيلية التي ترفعها التنظيمات المشاركة.

وبحسب نتائج الاستطلاع، يحظى مطلب تقليص عدد التلاميذ داخل الأقسام بتأييد 82 في المائة من المشاركين، فيما يؤيد 79 في المائة تجديد المؤسسات التعليمية، مقابل 48 في المائة يساندون إلغاء منصة “باركورسيب”، بينما لم تتجاوز نسبة المؤيدين لتقليص عدد ساعات الدراسة 34 في المائة.

وتعكس هذه النتائج تفاوتا في المواقف تجاه مطالب المحتجين، إذ تحظى القضايا المرتبطة بتحسين الظروف المادية للدراسة والحد من الاكتظاظ بتأييد أوسع من المقترحات المتعلقة بتغيير نظام الولوج إلى التعليم العالي أو تقليص الزمن المدرسي.

ويأتي استمرار الاحتجاجات في وقت تستعد فيه فرنسا للاستحقاقات الرئاسية المرتقبة سنة 2027، بينما تسعى الحكومة إلى تنفيذ التعهدات المعلنة ومواصلة التشاور مع التلاميذ وممثليهم، وسط ترقب لما ستسفر عنه تعبئة الثلاثاء المقبل، ومدى قدرة التنظيمات المحتجة على استعادة مستوى المشاركة الذي سجلته خلال الأسابيع الأولى من التحركات.

وستكون مظاهرات الثلاثاء محطة مهمة في تحديد المسار القريب للحركة، خصوصا مع اقتراب العطلة المدرسية واستمرار التباين بين المطالب التي تتمسك بها التنظيمات التلاميذية والإجراءات التي أعلنتها الحكومة، في انتظار اتضاح مدى انعكاس التعهدات المتعلقة بالتوظيف والتمويل والتشاور على انتظام الدراسة داخل المؤسسات التعليمية.

The post موجة خامسة من الاحتجاجات في فرنسا appeared first on Hespress - هسبريس جريدة إلكترونية مغربية.

المصدر: هسبريس