لبنان: نقطة تفاعل أم تقاتل؟
كتب وسام مسلّم في "نداء الوطن": في زمن تعيش فيه البشرية في تقاتل وحروب وصدامات، بعضها ديني، وآخر ثقافي، أين يقع دور لبنان، ذاك الوطن الذي لا تنفك الحروب عن مغادرة أراضيه؟ Advertisement إذا اعتبرنا لبنان ملتقى للحضارات والثقافات، فهل هو مساحة للتفاعل الحضاري أم نقطة التقاء خطوط الصراع الحضاري؟ هذا السؤال يفتح باباً مهماً لفهم موقع لبنان في نظرية كلّ من هنتنغتون وفوكوياما والكنيسة المارونية. إذا كان المفكر الأميركي، في كتابه "صدام الحضارات"، قد قسّم البشرية والصراع فيما بينها إلى ثماني حضارات ثقافية، فإن الصراعات لا تتركز إلا على الحدود الفاصلة بين بعضها البعض، خاصة بين الحضارتين الغربية والإسلامية. وما لبنان إلا شاهدًا على ذلك، وليس منذ فترة وجيزة فحسب، بل في أوقات مختلفة عبر التاريخ. ولأن حدوده مشتركة مع حدود الحضارة اليهودية، لا يزال الصراع مفتوحاً منذ حوالي السبعين سنة. إذاً، بحسب الكاتب الأميركي الشهير والراسم للسياسة الخارجية للولايات المتحدة، سيستمر هذا الصراع الأبدي إلى أن تقضي حضارة على أخرى، وهذا ما حصل فعلاً اليوم، أكان في غزة أم من خلال التدمير الكامل للقرى الحدودية الجنوبية ذات الحضارة الواحدة. وبحسب هنتنغتون، يعود سبب اندلاع الصدام بين الحضارات داخل الوطن الواحد إلى ضعف الدولة ومؤسساتها الاجتماعية والسياسية، مما يجعلها عاجزة عن استيعاب التغيرات والصراعات الاجتماعية. وهذا ما نمر به في لبنان، الوطن الذي غابت فيه سلطة القانون لعقود. كل تلك الهموم والتنوع الطائفي والثقافي حرص البطريرك الطوباوي الياس الحويك على معالجتها في زمن تأسيس دولة لبنان الكبير، رافضاً نظرية صراع الحضارات أو الأديان، أو إقامة دولة لبنان الصغير المسيحي، بل أصرّ على انضمام أجزاء إسلامية إلى الوطن الذي أسسه الموارنة. ويكون بذلك قد نجح بجمع حضارتين وثقافتين على أرض دافع عنها الموارنة لأكثر من ألف وأربعمئة سنة. فالبطريرك لم يكتفِ فقط بانضمام تلك المجموعة الإسلامية إلى لبنان الكبير، بل سلّم المجتمع المدني دولة مدنية يحكمها الشعب اللبناني، مخترعاً لهم صيغة فريدة من التعددية والمناصفة في الحكم، رافضاً إقامة دولة مارونية، بل وطناً يعيش فيه الموارنة أحراراً. فعلاً، ما فعله البطريرك الحويك والكنيسة المارونية شكّل صفعة للفكر اليهودي والإسلامي المتطرف في آنٍ واحد. فبالرغم من مطالبة الأول بالدولة اليهودية، والثاني بالدولة الإسلامية وتطبيق الشريعة، لم يقع الموارنة في فخ التقوقع، بل شيّدوا نظاماً تعددياً يحفظ الجميع ويرعى أنماط ثقافتهم. استطاع الموارنة أن يكسروا نظرية التصادم والتقاتل معاً، مبتكرين نظاماً سياسياً عالمياً. وإذا كان فوكوياما، في كتابه "نهاية التاريخ والإنسان الأخير"، يقصد أن البشرية ربما وصلت إلى المرحلة الأخيرة من تطورها الأيديولوجي والسياسي، وأن الديمقراطية الليبرالية أصبحت النموذج السياسي الأكثر اكتمالاً في نظرية التطور التاريخي، وأن صدام الحضارات قد يهدد مصيرها، وإذا كانت فكرة الفيلسوف هيغل التي استلهمها تتعلق بتطور الوعي الإنساني والصراع من أجل الاعتراف، وصولاً إلى شكل من أشكال النظام الذي يحقق الحرية والاعتراف المتبادل، فإن الموارنة قد جسّدوها وحدهم في بلدهم، ضاربين نظرية الصدام بالوئام، ونظرية النهاية بطائر الفينيق…
المصدر: لبنان 24