شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

ضياع بعد هزيمتين!

ضياع بعد هزيمتين!

تقف المنطقة اليوم أمام مشهد دولي ملتبس. فقد جاءت نتائج الانتخابات النصفية الأميركية بعد ثمانية أشهر من الحرب مع ايران لتظهر أن الديموقراطيين انتزعوا مجلسي النواب والشيوخ معاً. وقبل ذلك بأيام قليلة من ذلك الاستحقاق، لم تفرز الانتخابات الإسرائيلية حسماً واضحاً، فحصلت كتلة بنيامين نتنياهو على 53 مقعداً ولم تبلغ أي كتلة عتبة الـ61. وهكذا اجتمع في أسبوعين اثنان من أهم مفاصل القرار في الحرب والسلم في منطقة الشرق الأوسط ، وكلاهما مثقل بالشكوك. وحين يتراجع اليقين عند صنّاع القرار الكبار، تدفع الدول الصغيرة والهشّة الثمن الأكبر ، وهذا ما يتوقع أن يحصل في الاتي من الايام . Advertisement ترامب بين الهيبة والتسوية يقف الرئيس الأميركي أمام خيارين الأول هو التصعيد، بحجة حماية هيبة أميركا وقوة ردعها. وتغذي هذا الخيار شخصية ترامب نفسها: رجل يرى في التراجع هزيمة شخصية، ويقرأ السياسة الخارجية بمنطق الصفقة والغلبة لا بمنطق المؤسسات. وقد يُغريه ضرب إيران بعد خسارة داخلية بأن يعيد تعريف المشهد ويستبدل عنوان الهزيمة الانتخابية بعنوان القوة. لكن هذا الخيار يصطدم بواقع جديد. فقد أقرّ ترامب ومعه نائبه جي دي فانس بأن الحرب على إيران لعبت دوراً في خسائر الجمهوريين، ووصل الديموقراطيون إلى الكونغرس وفي برنامجهم وقف الحرب. وهم يملكون أدوات ضغط حقيقية، منها قانون صلاحيات الحرب والتحكم بالتمويل، إذ إن مشاريع الإنفاق يجب أن تبدأ في مجلس النواب. أي أن الرئيس الذي كان يتحرك بلا كوابح فعلية يجد نفسه أمام كونغرس قادر على تعقيد أي مغامرة جديدة. ويقول خبراء في شخصية ترامب انه ليس من النوع الذي يقبل أن يقال عنه ان ايران هزمته ، ما يرّجح خيار الضربات المتتالية مع تجدد دفع القوات الاميركية صوب مضيق هرمز . أما الخيار الثاني امام ترامب فهو تغليب المسار السياسي: مفاوضات مع طهران وتنازلات متبادلة، وتفعيل الوساطات القطرية والعُمانية والباكستانية. وتقول طهران إن الأميركيين قالوا «لا» للحرب، وهي ترى في النتيجة ورقة تفاوضية تعزز موقعها. وبين الخيارين، قد يختار ترامب مزيجاً منهما: تلويح بالقوة لتحسين الشروط وانفتاح على الصفقة لتجنّب كلفة الحرب. وثمة من يرى أنه قبل اعتماد الخيار الديبلوماسي والمفاوضات ، قد يعمد ترامب إلى القيام بضربات نوعية يعتقد انها ستسهّل مسار المفاوضات ، علما ان " الحكماء" في الحزب الجمهوري أوصوا ، بعيدا عن الإعلام ، بعدم خوض حرب جديدة ضد ايران تحت شعار اسقاط النظام الايراني لان ذلك غير ممكن بشهادة كثيرين ، فضلا عن انه سوف يؤثر سلباً على حظوظ المرشح الجمهوري إلى الانتخابات الرئاسية بعد عامين سواء كان وزير الخارجية ماركو روبيو او دي فانس او غيرهما. نتنياهو بين المغامرة والقبول الضمني على مقلب الخاسرين ايضا يواجه رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو مفترق طرق مشابهاً. فنتائج الانتخابات الاسرائيلية قطعت الطريق على حكومة يمينية مستقرة، ولا حزب واضحاً يمكن لليكود ضمّه للوصول إلى 61 مقعداً. وفي المقابل، لا يملك غادي آيزنكوت - الذي كلف مساء امس تشكيل الحكومة الجديدة - الأكثرية من دون الأحزاب العربية. وقد أوصى حزب «راعم» بآيزنكوت، فارتفع عدد المؤيدين المتوقعين له إلى 56، بينما أعلنت القائمة المشتركة استعدادها لدعمه من خارج الحكومة. وهذا يعني أن الطريق إلى تشكيل حكومة، أياً كان رئيسها، طويل ومعقد، وأن احتمال انتخابات جديدة مطلع العام المقبل لا يزال احتمالا قائماً . في هذه الفترة الانتقالية يملك نتنياهو خيارين. الأول هو الهروب إلى الأمام: تجديد الحرب على لبنان وضرب إيران ودعم الخيار العسكري لترامب، فتُستبدل الأزمة السياسية بأزمة أمنية، ويستعيد خطاب «الخطر الوجودي» الذي طالما أتقن توظيفه. أما الثاني فهو القبول الضمني بما أفرزته الصناديق، وتجنّب أي مغامرة عسكرية في مرحلة لا تملك فيها الحكومة المنتهية ولايتها تفويضاً واسعاً، وقد تنتقل السلطة بعدها إلى آيزنكوت. وتكمن المفارقة في أن الإغراء بالمغامرة يرتفع كلما ضاق هامش الحياة السياسية، وأن كلفتها تتضاعف حين لا يكون الكونغرس الأميركي في صفّه كما كان قبل الانتخابات . ولعل المواقف التي سربها نتنياهو بعد الانتخابات من أن الحرب على "حزب الله " لم تنتهِ بعد ، خير دليل على ان نوايا رئيس الوزراء الإسرائيلي لا تزال " غير صافية " تجاه لبنان عموماً و" الحزب " خصوصاً . من هنا بدت الحملة الإعلامية التي قادتها وسائل الاعلام الموالية لنتنياهو عن عودة " حزب الله " إلى التسلح وكأنها تمهد لضربة اسرائيلية جديدة بصرف النظر عن الدوافع والأسباب . لبنان: الخاصرة الأكثر انكشافاً وسط هذه التطورات الغامضة ، يتابع اللبنانيون هذه التحولات بقلق مشروع. فالساحة اللبنانية هي الأقرب إلى الاشتعال في حال قررت إسرائيل تعويض خسارتها السياسية بالنار. وتزداد المخاوف إذا قرر "حزب الله" الدخول في حرب إسناد ثالثة، رغم التحذيرات الأميركية المتكررة للبنان. فمثل هذا القرار، إن اتُّخذ، سيمنح الخيار العسكري الأميركي والإسرائيلي ذريعة جاهزة، ويحوّل لبنان من متفرج على أزمة الآخرين إلى ساحتها الأولى. وتزداد هشاشة الموقف اللبناني لأسباب داخلية. فالاقتصاد منهك، والانقسام السياسي عميق، وضعف الحكومة في مواجهة الاستحقاقات الكبرى ظاهر. أما "اتفاق الإطار" الذي وُقّع في حزيران برعاية أميركية، والذي ربط انسحاباً إسرائيلياً تدريجياً بانتشار الجيش اللبناني ونزع سلاح "حزب الله" والذي رفضه " الحزب " بشكل قاطع، بات اليوم في حكم المجمّد حتى إشعار آخر ؛ وقد اقر بذلك عرابو الاتفاق وفي مقدمهم الرئيس جوزاف عون الذي نقل عنه زواره أن الجمود هو سمة المفاوضات ومفاعيلها كما بدأ من حصيلة مفاوضات مدينة تامبا قبل اسابيع . وهكذا يفقد لبنان المظلة التفاوضية التي كان يراهن عليها، من دون أن يكسب بديلاً عنها. والأدهى في كل ذلك أن واشنطن التي دفعت في اتجاه توقيع الاتفاق تبدو غير مهتمة بمصيره وهي منشغلة فقط بالملف الإيراني والمفاوضات المتأرجحة بين تقدم غير واضح من جهة ، وتصعيد كلامي مستمر من جهة اخرى . في ضوء ما تقدم يجمع الخبراء والمحللون على ان مرحلة الضياع هذه مستمرة حتى اشعار آخر ، إذ يحتاج الأميركيون إلى وقت لإعادة ترتيب أولوياتهم مع كونغرس معارض، ويحتاج الإسرائيليون إلى أسابيع أو أشهر لتشكيل حكومة أو الذهاب إلى انتخابات جديدة. وإيران، التي تحسن إدارة الوقت، قادرة على تحمل الانتظار والصبر اذ تراهن على تآكل الموقف الأميركي من الداخل. لكن لبنان لا يملك هذه الرفاهية. فاقتصاده المتهالك لا يحتمل أشهراً إضافية من اللايقين، ولا بلداً مأزوماً سياسياً يتحمل تبعات حرب جديدة. والمطلوب منه اليوم هو التمسك بالخيار الدبلوماسي وتوحيد الموقف الداخلي، وتفعيل مؤسسات الدولة لتكون حاضرة حين تُرسم التسويات الكبرى. فمن يغيب عن الطاولة في زمن الضياع قد يجد نفسه على قائمة الطعام حين تُحسم الخيارات . من هنا بدأت اصوات في الداخل اللبناني تدعو إلى مواجهة حالة الضياع هذه من خلال تحريك ملف الحوار الداخلي للوصول إلى قواسم مشتركة حيال المسائل الخلافية وفي مقدمها مصير سلاح " حرب الله " وترجمة قرار الحكومة بحصرية السلاح ، علما ان لا مؤشرات جدية توحي بالوصول إلى اتفاق وطني حول هذه الملفات قبل ان يُحسم مستقبل المفاوضات الاميركية الإيرانية نظرا لارتباط موقف " الحزب" بالإرادة الإيرانية التي هي ايضا في مرحلة ضياع !

المصدر: لبنان 24