الجزيرة اختفت في 90 ثانية.. أسرار أخطر مهمة في التاريخ
في مشهد يجسد القوة التدميرية الهائلة للأسلحة النووية، اختفت جزيرة إيلوغيلاب، الواقعة ضمن جزر مارشال بالمحيط الهادئ، من الوجود خلال لحظات، إثر تفجير أول قنبلة هيدروجينية كاملة النطاق في التاريخ، ضمن الاختبار الأمريكي المعروف باسم "آيفي مايك" (Ivy Mike)، في الأول من نوفمبر عام 1952. وجاء التفجير، الذي نُفذ في الساعة 7:15 صباحا بالتوقيت المحلي، بقوة بلغت 10.4 ميغاطن، أي ما يعادل نحو 700 ضعف القوة التفجيرية لقنبلة هيروشيما، ليخلّف حفرة هائلة في موقع الجزيرة، بلغ قطرها نحو 1.9 كيلومتر وعمقها قرابة 50 مترا. وحمل الجهاز النووي اسم "مايك"، وبلغ وزنه نحو 82 طنا، وكان بحجم مبنى صغير تقريبا، ما جعله أقرب إلى منشأة تجريبية عملاقة منه إلى قنبلة تقليدية قابلة للاستخدام العسكري المباشر. مثّل اختبار "آيفي مايك" أول تطبيق كامل النطاق لتصميم تيلر–أولام، القائم على استخدام الطاقة الإشعاعية الناتجة عن انفجار نووي أولي لضغط وإشعال مرحلة ثانية تعتمد على الاندماج النووي. واستخدم الجهاز الديوتيريوم السائل وقودا للاندماج، وهو ما تطلب حفظه عند درجات حرارة تقارب 250 درجة مئوية تحت الصفر داخل وعاء تبريد ضخم، إلى جانب مكونات نووية أخرى شملت البلوتونيوم واليورانيوم الطبيعي. وبحسب المعلومات التاريخية المتعلقة بالاختبار، فإن نحو 77% من الطاقة التفجيرية لم تنتج عن الاندماج النووي وحده، بل جاءت من الانشطار السريع لليورانيوم المحيط بمرحلة الاندماج، نتيجة النيوترونات المنبعثة من التفاعل. لم تتجاوز الفترة التي احتاجتها سحابة الانفجار للوصول إلى ارتفاع 57 ألف قدم نحو 90 ثانية، قبل أن ترتفع لاحقا إلى قرابة 120 ألف قدم، وتمتد أفقيا لمسافة تصل إلى 60 ميلا. وفي أعقاب التفجير، لم تعد جزيرة إيلوغيلاب موجودة، بعدما دمرها الانفجار بالكامل، تاركا حفرة ضخمة في الشعاب المرجانية المحيطة. وأصبحت عبارة رئيس هيئة الطاقة الذرية الأمريكية آنذاك، غوردون دين، "جزيرة إيلوغيلاب مفقودة!" من أشهر العبارات المرتبطة بالتجربة، بعدما نقل نتائج الاختبار إلى دوايت أيزنهاور. لكن الروايات التي تتناول الواقعة كثيرا ما تقع في خطأ تاريخي، إذ لم يكن أيزنهاور رئيسا للولايات المتحدة وقت التفجير، بل كان رئيسا منتخبا، بعدما فاز بالانتخابات الرئاسية في 4 نوفمبر 1952، أي بعد الاختبار بثلاثة أيام. طيارون يخاطرون بحياتهم داخل سحابة الانفجار لم تقتصر المخاطر على لحظة التفجير، إذ تطلبت دراسة نتائج التجربة إرسال طائرات إلى داخل سحابة الانفجار لجمع عينات من المواد والحطام النووي. وبعد نحو ساعة ونصف من التفجير، أقلعت أربع طائرات أمريكية من طراز F-84G Thunderjet، ضمن مجموعة أُطلق عليها اسم "الرحلة الحمراء" (Red Flight)، وكانت مجهزة بحاويات خاصة لجمع العينات مثبتة عند أطراف الأجنحة، فيما تولت طائرة من طراز B-36 مهمة توجيهها ومراقبتها. وقاد المجموعة المقدم فيرجيل ميروني، الذي دخل سحابة الانفجار على ارتفاع يقارب 40 ألف قدم، رغم أن قمتها كانت أعلى بكثير من قدرة الطائرات المشاركة على الوصول إليها. ووصف أحد الطيارين الأجواء داخل السحابة بأنها مظلمة وشديدة الاضطراب، في إشارة إلى الظروف القاسية التي واجهتها الطائرات خلال المهمة. وكان الكابتن جيمي بريستلي روبنسون، البالغ من العمر 28 عاما، الأكثر تعرضا للخطر، إذ تعطل نظام الطيار الآلي في طائرته بسبب الاضطرابات الجوية، قبل أن تفقد الطائرة قدرتها على الرفع وتدخل في حالة سقوط اضطراري، ولم يتمكن روبنسون من استعادة السيطرة إلا على ارتفاع يقارب 20 ألف قدم. وبعد استهلاك كميات إضافية من الوقود نتيجة المناورات، قررت المجموعة العودة إلى قاعدة إينيويتوك، لكن محرك طائرة روبنسون توقف على ارتفاع 13 ألف قدم. ورصدت مروحية إنقاذ الطائرة وهي تنزلق فوق المياه شمال الجزيرة المرجانية، قبل أن تصطدم بسطح البحر وترتد عنه ثم تنقلب وتغرق. ولم يُعثر على جثمان روبنسون أو حطام طائرته، فيما مُنح بعد وفاته وسام الطيران المتميز تقديرا لخدمته وشجاعته. وثّقت كاميرات التصوير الملون التفجير من زوايا متعددة، كما أنتجت الحكومة الأمريكية فيلما وثائقيا مدته ساعة بعنوان "عملية آيفي" (Operation Ivy)، تناول سلسلة التجارب النووية التي نُفذت ضمن العملية. ولا تزال مشاهد كرة اللهب العملاقة وهي ترتفع فوق الشعاب المرجانية، قبل أن تتحول إلى سحابة هائلة تملأ السماء، من أبرز اللقطات التاريخية التي توثق القوة التدميرية للقنبلة. وتبقى تجربة "آيفي مايك" محطة مفصلية في تاريخ الأسلحة النووية، ليس فقط لأنها دشنت عصر القنابل الهيدروجينية ذات القوة التدميرية غير المسبوقة، بل لأنها كشفت أيضا عن حجم المخاطر التي يمكن أن يتعرض لها الإنسان خلال محاولات رصد آثار تلك الأسلحة ودراسة نتائجها.
المصدر: البيان