تعهد 35% بحلول 2035 في COP31: مصدر الكهرباء النظيفة يحسم المكسب المناخي
في مفاوضات المناخ، قد تغيّر كلمة واحدة معنى تعهّد كامل. وفي مؤتمر "COP31" بأنطاليا، ستبرز كلمة "نظيفة" في النقاش بشأن مقترح تركي لرفع حصة الكهرباء في الاستهلاك النهائي العالمي للطاقة إلى 35% بحلول عام 2035. فإن الاتحاد الأوروبي يدعم ربط التوسع في الكهرباء بمصادر منخفضة الانبعاثات، وفق تقرير "أجانس أوروبا"، المنشور في 7 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري.
ما المقصود بهدف الكهربة؟
الهدف يتعلق بحصة الكهرباء من الطاقة التي يستخدمها المستهلكون في النقل والمباني والصناعة، وليس بحصة الطاقة المتجددة داخل قطاع الكهرباء. فاستبدال سيارة تعمل بالبنزين بأخرى كهربائية يرفع الكهربة، أما بناء محطة شمسية لتغذية استهلاك كهربائي قائم فيغيّر مزيج التوليد.
تقدّر وكالة الطاقة الدولية حصة الكهرباء بنحو 23% من الاستهلاك النهائي العالمي للطاقة، وتعرض في تقريرها الصادر في أيلول/سبتمبر 2026 سيناريو كهربائي مرتفع يصل إلى 35% في 2035. والانتقال بين النسبتين يساوي 12 نقطة مئوية، ولا يعني مجرد زيادة استهلاك الكهرباء بنسبة 12%.
إن التمييز بين هذه المؤشرات مهم: قد يرتفع الطلب على الكهرباء بسبب توسع التكييف والخدمات الرقمية، من دون أن يحلّ محل استهلاك الوقود بالمقدار نفسه. لذلك، يحتاج تقييم التقدم إلى متابعة الاستخدام الذي استُبدل، ومصدر الإمدادات الجديدة.
لماذا لا تكفي زيادة الكهرباء؟
تتمتع التقنيات الكهربائية غالباً بكفاءة أعلى. وتفيد وكالة الطاقة الدولية بأن السيارة الكهربائية أكثر كفاءة بمرتين إلى أربع مرات من سيارة محرك الاحتراق، فيما تستطيع المضخة الحرارية تقديم طاقة حرارية تعادل عادة ثلاثة إلى خمسة أمثال الكهرباء التي تستهلكها. ولهذا، يمكن توفير الخدمة نفسها بطاقة نهائية أقل.
لكن حجم المكسب المناخي يتأثر أيضاً بانبعاثات التوليد. فلا تتساوى كهرباء منتجة من الفحم مع كهرباء منخفضة الانبعاثات عند حساب أثر تشغيل سيارة أو مصنع. والمقياس المفيد هو الانبعاثات لكل كيلومتر أو لكل كمية من المنتج، مع احتساب كفاءة التقنية ومصدر طاقتها.
ولا يصح في المقابل افتراض أن الكهربة تفقد فائدتها تلقائياً كلما احتوت الشبكة على الفحم أو الغاز. فقد تحقق كفاءة الأجهزة وفورات فعلية حتى قبل اكتمال إزالة الكربون من التوليد. ويشير تقرير وكالة الطاقة الدولية عن المركبات الكهربائية لعام 2026 إلى وفورات انبعاثات في الصين رغم استمرار اعتمادها الكبير على الفحم في إنتاج الكهرباء.

ويؤكد تحليل المجلس الدولي للنقل النظيف لعام 2025 أهمية النظر إلى دورة الحياة، بما فيها إنتاج المركبة والبطارية والكهرباء. وقدّر انبعاثات السيارات الكهربائية العاملة على مزيج الكهرباء الأوروبي المتوقع خلال عمرها التشغيلي بنحو 63 غراماً من مكافئ ثاني أكسيد الكربون لكل كيلومتر. وهذه نتيجة مرتبطة بفرضيات أوروبية محددة، وليست رقماً ثابتاً لكل سيارة في كل بلد.
الشبكات قد تؤخّر التعهدات
حتى مع توافر محطات نظيفة وأجهزة كهربائية، يحتاج التحول إلى خطوط نقل ومحولات وشبكات توزيع وقدرة على إدارة الطلب. وقد يصبح الاتصال بالشبكة، لا بناء المحطة وحده، العقبة الحاسمة.
وتشير وكالة الطاقة الدولية في تقريرها "تحديث الشبكات في عصر الكهرباء" إلى أن 1700 غيغاواط على الأقل من مشروعات الطاقة المتجددة المتقدمة، و600 غيغاواط من بطاريات التخزين واسعة النطاق، كانت تنتظر الربط في 2025. كما تقدّر أن تلبية نمو الطلب المتوقع حتى 2035 تتطلب زيادة قدرة الشبكات بما لا يقل عن 30%.
وتعني هذه الفجوة أن إعلان هدف عالمي للكهربة ينبغي أن يصاحبه مسار للاستثمار في الشبكات والتخزين والمرونة التشغيلية. وإلا فقد تزداد الأجهزة الكهربائية بوتيرة أسرع من قدرة المنظومة على تغذيتها بصورة موثوقة ومنخفضة الانبعاثات.
من يدفع كلفة التحول؟
بالنسبة إلى المستهلك، ليس سعر الكهرباء وحده المعيار. فثمة تكلفة شراء المركبة أو الجهاز، وتكلفة التمويل والتركيب، ثم فاتورة التشغيل والصيانة. وقد يكون الخيار الكهربائي أوفر على مدى سنوات، لكنه يبقى بعيد المنال عن أسرة لا تستطيع دفع تكلفته الأولية.
وتقر وكالة الطاقة الدولية بأن بعض استثمارات الكهربة تحتاج إلى دعم لخفض الكلفة المسبقة أو تسهيل الوصول إلى التمويل. كما تربط تحقيق التخفيضات الكبيرة في الانبعاثات بتوسع ملموس في التوليد منخفض الانبعاثات.
فكيف إذاً توزّع تكلفة تحديث الشبكات؟ وكيف تُموّل المعدات؟ وكيف تُحمى الأسر الأقل دخلاً من تحمّل أعباء التحول قبل الاستفادة من وفوراته؟
ما الذي يعنيه ذلك للدول العربية؟
تختلف الأولويات بحسب واقع النظام الكهربائي. ففي البلدان التي تعاني ضعف الإمدادات، تتقدم موثوقية الشبكة على التوسع السريع في أحمال جديدة. وفي البلدان القادرة على تطوير توليد نظيف، يصبح ربطه بالنقل والصناعة فرصة لخفض استهلاك الوقود وتحسين الكفاءة.
لهذا، يُستحسن تقييم أي تعهد بثلاثة مؤشرات مترابطة: حصة الكهرباء في الاستخدام النهائي، وانبعاثات إنتاجها، وكلفة الخدمة وموثوقيتها للمستهلك. فبلوغ نسبة عالمية لا يضمن وحده توزيع المنافع بعدالة أو انخفاض الانبعاثات بالسرعة المطلوبة.
الاختبار أمام مفاوضي أنطاليا هو تحويل تعهد "35% بحلول 2035" إلى برنامج قابل للقياس والتمويل: كهرباء تحلّ محل الوقود حيث تكون فعالة، وتوليد أنظف يغذيها، وشبكات تستطيع إيصالها. بذلك تكتسب كلمة "نظيفة" معناها الحقيقي، ويتحوّل الهدف من زيادة استهلاك الكهرباء إلى خفض التكلفة المناخية للخدمات التي يحتاجها الناس.
المصدر: النهار