بطاقة صفراء في وجه ترامب
د. محمود المدني الصفعة المدوية التي تلقاها الرئيس الأمريكي المتغطرس ترامب، في انتخابات التجديد النصفي، هي بمثابة بطاقة صفراء أشهرها الشعب الأمريكي في وجهه إيذانا بخروجه من المشهد السياسي الأمريكي دون عودة، وذلك إثر إعلان نتيجة الانتخابات النصفية التي فاز فيها الديمقراطيون بعدد مقاعد تجاوز228 مقعدا في مجلس النواب مقابل 139 مقعدا للجمهوريين وانتكاسة مؤلمة للحزب الجمهوري الذي يقف خلفه، فيما يعد استفتاء شعبياً على أدائه خلال العامين المنصرمين من ولايته الثانية. وتعزى الخسارة التي تلقاها ترامب إلى عدة أسباب منها الفساد الذي استشرى في عدد من الملفات وهو ما بنى عليه الديمقراطيون حملاتهم الانتخابية واتخذوه محوراً أساسياً لحملاتهم ضد ترامب، وكذلك ارتفاع تكاليف المعيشة وأسعار المحروقات في عدة ولايات بشكل كبير نتيجة السياسات الخارجية التي اتبعها ترامب وخاصة حيال قضايا الشرق الأوسط وإيران وإغلاق مضيق هرمز الذي يُعد شرياناً اقتصاديا مهماً يمد العالم بخمس ما يستهلكه من النفط ويُؤدي تعطل الملاحة فيه إلى شلل اقتصادي وأزمات خانقة تطال أجزاء واسعة من العالم. وكذلك السياسات المُناهضة للهجرة والعمل حيث عمل ترامب على إعادة هيكلة نظام الهجرة الأمريكي بشكل كامل والحد من دخول المهاجرين ومنعهم من الحصول على حقوقهم الأساسية. ويُعد الصلف الذي اتسم به خطاب ترامب وتجاهل رغبات الشعب وعدم الوفاء بالوعود الانتخابية التي أطلقها ترامب خلال حملتيه الانتخابيتين وخاصة الأخيرة وارتفاع التضخم وزيادة أسعار الفائدة ورفض إقرار عدد من الميزانيات التي تصب في خدمة الشعب الأمريكي، فضلاً عن التخبط في سياسات التعريفات الجمركية، ضمن السياسات الخرقاء التي أدت إلى انهيار سيطرة الحزب الجمهوري على مقاعد مجلسي النواب والشيوخ وتراجع دعم الشعب لترامب وحلفائه من الذين قدَّم لهم دعماً سخياً أملاً في أن يتقدموا على نظرائهم الديمقراطيين الذين نظَّم ضدهم الحملات المناهضة لهم ولسياساتهم وأفكارهم وربما أصولهم أيضاً ووجه إليهم الإساءات والشتائم وخاصة ذوي الأصول العربية أو الأفريقية والمُسلمين منهم من أمثال عبد الرحمن السيد وإلهان عمر التي يتهمها بالخداع فيما يتعلق باسمها وزواجها وطالبها بالاستقالة من الكونغرس الأمريكي في عدة مناسبات. الخسارة التي تلقاها ترامب في هذه الانتخابات تُتيح للديمقراطيين بعد تسلم مقاعدهم في يناير التحقيق في شؤون إدارة ترامب وأسرته وحلفائه والضغط للحصول على تنازلات بشأن تشريعات رئيسية وكذلك يُمكنهم عرقلة وصول مرشحي ترامب للمحكمة العليا الأمريكية في حال شغور مقعد فيها، في خطوة ستحول ترامب إلى ما يُعرف بالبطة العرجاء من خلال تقليص صلاحياته وقصقصة أجنحته. ولاشك أنَّ طوفان الأقصى كان عاملاً حاسماً في الخسارة التي مُني بها ترامب إذ إنِّه لفت انتباه الشعب الأمريكي إلى الفظائع التي ترتكبها إسرائيل في حق الشعب الفلسطيني الأعزل من إبادة جماعية بدعم أمريكي ومن أموال دافعي الضرائب الأمريكيين، الذين يرى كثير منهم أن لا ناقة لهم ولا جمل في هذه الحرب، والتي جرَّت خلفها الحرب الإسرائيلية الأمريكية على إيران التي أدت إلى زيادة التضخم وارتفاع أسعار المحروقات في الولايات المتحدة الأمر الذي دفع الناخبين الأمريكيين الذين عادة ما يصوتون بناء على ما يمسُّ جيوبهم إلى تحويل مسار الانتخابات بشكل حاسم ناحية اللون الأزرق الذي يمثل الحزب الديمقراطي وقلب موازين السياسة الأمريكية، في مشهد يثبت أنَّ صناديق الانتخابات ليست مجرد وسيلة لاختيار ممثلي الشعب لكنها قد تحمل رسائل سياسية قوية مفادها أنَّ الناخب الأمريكي لن يتردد في مُعاقبة من يتجاهل مصالحه ويُغامر بمستقبله ويمس حياته الاقتصادية، حتى وإن طال صبره، وأن حسابات السياسة قد تتغير في لحظة، لكن إرادة الشعوب تظل قادرة على إعادة رسم ملامح المشهد السياسي.
المصدر: الرؤية