شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

السائرون نيامًا حين يصبح التهديد سجنًا لصاحبه

السائرون نيامًا حين يصبح التهديد سجنًا لصاحبه

في بلغراد، مساء ٢٥ يوليو ١٩١٤، سلّمت صربيا جوابها على إنذار النمسا والمجر، قبلت معظم المطالب وتحفظت على تدخل يمس سيادتها، لكن المبعوث النمساوي غادر المدينة، وبعد ثلاثة أيام أعلنت فيينا الحرب، كان خلف تلك الأوراق بشر لا يعرفون أن مصيرهم يتوقف على قرار لم يشاركوا فيه، وأن التنازل قد لا ينقذهم إذا كانت إرادة العقاب أقوى من الرغبة في التفاوض .في «السائرون نيامًا»، يتتبع كريستوفر كلارك، المؤرخ الأسترالي الأستاذ بجامعة كامبريدج، كيف وصلت أوروبا إلى حرب ١٩١٤، لا لأن الجميع أراد حربًا عالمية، ولا لأن أحدًا لم يكن مسؤولًا، بل لأن قرارات اتخذتها عواصم مختلفة تفاعلت حتى تجاوزت حسابات أصحابها، اختارت فيينا معاقبة صربيا وشجعتها برلين، فيما ضيقت التعبئة والتحالفات فرص التراجع، ولم تكن النتيجة محتومة منذ البداية، فقد بقيت خيارات سياسية لم يُحسن القادة استخدامها .اليوم لا تبدأ القيود دائمًا بحركة الجيوش، بل بعبارة يقولها زعيم أمام الكاميرات، يرسم خطًا أحمر كي يردع خصمه، ثم يجد نفسه مطالبًا بتنفيذه لئلا يبدو ضعيفًا، غير أن الهيبة ليست تفسيرًا لكل حرب، فبعض الحروب تبدأ بأهداف توسعية واضحة، والجمهور الذي يطالب بالحسم قد يرحب أيضًا باتفاق يجنب بلاده خسائر جديدة .في أغسطس ٢٠١٢، حذّر باراك أوباما من تجاوز خط أحمر يتعلق بالسلاح الكيميائي السوري، وبعد هجوم الغوطة عام ٢٠١٣ أصبحت الضربة الأميركية مطروحة، لكن التفاهم الأميركي الروسي فتح طريقًا آخر، وأُخرج المخزون الكيميائي الذي أعلن عنه النظام السوري ودُمّر تحت إشراف دولي، تجنبت واشنطن الضربة، ولم تنته الحرب، كان ذلك نجاحًا في تحقيق هدف محدود، لا تسوية للمأساة السورية .ثم جاءت مفاجأة مايو ٢٠٢٦، أعلنت منظمة حظر الأسلحة الكيميائية اكتشاف ذخائر ومواد ووثائق لم يكشف عنها النظام السابق، بعد أن تمكن مفتشوها، بتعاون السلطات السورية الجديدة، من الوصول إلى مواقع وجمع أدلة، لم يكن اتفاق ٢٠١٣ بلا قيمة، لكنه لم يكشف كامل البرنامج، فالرقابة لا تصبح فعالة لمجرد النص عليها، بل حين يستطيع المفتش الدخول، والسؤال، والعودة إذا ظهرت معلومات جديدة .هنا يتضح الفرق بين التجربتين، فيينا مضت إلى الحرب رغم فرصة مواصلة التفاوض، وواشنطن قبلت بديلًا عن الضربة، لكن المقارنة لا تثبت أن الخوف على السمعة كان الدافع الحاسم في الحالتين، فقد اختلفت المصالح والحسابات والظروف، ما تكشفه هو أن التهديد قد يتحول من أداة لتحقيق غاية إلى التزام يحجب الغاية نفسها، وأن الاتفاق قد يتحول بدوره إلى إنجاز إعلامي يُغطي ما عجز عن إنجازه .في أزمات الغد لن تكفي متابعة نبرة الخطب لمعرفة اتجاه الحرب، الأهم أن نسأل عما إذا كان الوسطاء يملكون مجالًا لتعديل الشروط، وهل يوجد تفتيش مستقل يستطيع كشف المخفي، ومن يتحمل المسؤولية إذا انكشفت مخالفة؟ اتفاق بلا وصول فعلي إلى المواقع قد يوقف مواجهة اليوم ويزرع أسباب مواجهة لاحقة، أما التفاوض الذي يحفظ الحقوق ويقبل المراجعة فقد يسمح بالتراجع من دون أن يمنح المعتدي حصانة أو يطالب الضحية بالنسيان .وهذا لا يعني أن كل أزمة تشبه صربيا أو سوريا، فهناك نزاعات لا تنتهي دون تغيير موازين القوة، وأخرى تظل فيها التسويات الجزئية ممكنة، لكن الخطر المشترك يظهر عندما يصبح الإعلان أهم من النتيجة، وعندما يخشى السياسي مراجعة الوعد أكثر من كلفة الإصرار عليه، فلا يقترب السلام بإطلاق العبارات الكبيرة، بل بإبقاء باب العودة مفتوحًا ومحاسبة من يخرق الاتفاق. وهنا تبرز قيمة المؤسسات التي تستطيع مساءلة القيادة قبل الحرب وبعد الاتفاق دون خوف .كتب كلارك عن قادة ساروا نحو كارثة لم يتصوروا حجمها، لكن عالم اليوم يعرف حجم الكوارث التي يمكن أن يصنعها، ومع ذلك يكرر أحيانًا أخطاء القرار، من بلغراد إلى دمشق يبقى السؤال الأصعب، هل تثبت الدولة قوتها حين تنفذ تهديدها، أم حين تستطيع إزالة الخطر الذي هددت من أجله، وتملك الشجاعة للاعتراف بما لم تنجح في إزالته ؟

المصدر: عمون