الرهان على الاستثمار الإنتاجي.. كيف تحوّل سوريا مذكّرات التفاهم إلى مشروعات قائمة؟

أكد الخبير الاقتصادي الدكتور عامر خربوطلي أن سوريا لا تزال في مرحلة التعهدات ومذكّرات التفاهم الاستثمارية، وهي لا تُصنّف استثمارات أجنبية مباشرة بالمعنى الاقتصادي ما لم تتحول إلى تدفّقات مالية فعلية تدخل الاقتصاد، وتُترجم إلى مشاريع قائمة تمنح المستثمر الأجنبي دوراً مؤثراً في الإدارة والتشغيل.
وأوضح خربوطلي، في حديثه لـ “الوطن”، أن هذا التمييز يفسّر محدودية تدفّقات الاستثمار الأجنبي المباشر المسجّلة في سوريا، رغم الأرقام الكبيرة التي يُعلن عنها في سياق الاتفاقيات والتفاهمات الاستثمارية، مشدّداً على أن المعيار الحقيقي ليس حجم التعهدات، بل ما يدخل فعلياً من رؤوس أموال وما ينتج عنها من طاقات إنتاجية وفرص عمل وقيمة مضافة.
وأشار إلى أن الاستثمار الأجنبي المباشر يُعد من أهم الأدوات التي تعتمد عليها الدول لتعزيز النمو الاقتصادي ورفع الناتج المحلي الإجمالي ومتوسط دخل الفرد، إلى جانب توسيع فرص التشغيل وإدخال التكنولوجيا المتطورة والمعرفة والمهارات الحديثة.
وبيّن أن الاستثمار الأجنبي المباشر هو استثمار طويل الأجل يقوم به مستثمر أو شركة من دولة في أصول أو مشروع أو شركة داخل دولة أخرى، بهدف الحصول على مصلحة دائمة وتأثير فعلي في إدارة المشروع، وليس مجرد شراء أسهم أو سندات لتحقيق عائد مالي سريع.
ولفت خربوطلي إلى أن المعيار الدولي الشائع، وفق التعريفات المعتمدة لدى المؤسسات الدولية، يعتبر امتلاك المستثمر الأجنبي ما لا يقل عن 10 بالمئة من الأسهم أو حقوق التصويت مؤشراً على وجود علاقة استثمار مباشر، بما يتيح له التأثير في القرارات الإدارية، في حين يُصنف الاستثمار الذي يقتصر على شراء الأوراق المالية من دون دور إداري عادة ضمن الاستثمار في المحافظ المالية.
وأضاف: إن الاستثمار المباشر لا يقتصر على تأسيس مشروعات جديدة، بل يشمل شراء حصص في شركات قائمة أو الاستحواذ عليها، وإعادة استثمار الأرباح داخل الدولة المضيفة، فضلاً عن التمويل الذي تقدّمه الشركة الأم لفروعها الخارجية.
وتتعدّد أشكاله بين إنشاء مشروعات جديدة من الصفر، والاستحواذ على منشآت قائمة أو تطويرها، والاستثمار الأفقي والعمودي ضمن سلاسل الإنتاج والتوريد.
وأكد خربوطلي أن أهمية هذا النوع من الاستثمار بالنسبة إلى الاقتصاد السوري تكمن في قدرته على توليد قيم مضافة جديدة، وتعزيز الناتج المحلي، وتشغيل أعداد كبيرة من العمالة، وتحريك النشاط الاقتصادي، فضلاً عن نقل التقنيات الحديثة وربط الإنتاج المحلي بالأسواق العالمية وفتح فرص التصدير.
واستشهد بالتجربة الصينية التي نجحت في مراحل سابقة في استقطاب استثمارات يابانية وأميركية وكورية وأوروبية، والاستفادة من الشراكات مع الشركات الأجنبية في تطوير قدرات الشركات المحلية ورفع كفاءتها، وصولاً إلى تعزيز حضورها وقدرتها التنافسية في الأسواق العالمية.
وشدّد على أن دخول الاستثمارات الأجنبية لا يعني التخلي عن النموذج الاقتصادي المحلي أو إضعاف الشركات الوطنية، بل ينبغي أن يشكّل فرصة لرفع كفاءتها ووضع الشركات الكبيرة والمتوسطة في بيئة تنافسية تدفعها إلى التطور والتحديث.
كما أن هذا الانفتاح لا ينبغي أن يكون حكراً على الشركات العالمية الكبرى، بل يمكن أن يتحقق من خلال شراكات وتحالفات مع المستثمرين العرب والسوريين المغتربين.
وأوضح أن الشركات الصغيرة والمتوسطة تمثّل جذور النشاط الاقتصادي المحلي، وأن الحفاظ على قدرتها على الاستمرار والنمو يتطلب فتح المجال أمامها للاستفادة من الشراكات الأجنبية ونقل المعرفة والتكنولوجيا، بدلاً من عزلها عن المنافسة أو تركها عاجزة عن مواكبة التطورات الإنتاجية.
وفي المقابل، حذّر من أن الاستثمار الأجنبي المباشر لا يخلو من مخاطر، من بينها مزاحمة الشركات المحلية، وتحويل الأرباح إلى الخارج، أو تركّز الاستثمارات في قطاعات لا تحقق أثراً تنموياً مستداماً، ما يستدعي وضع سياسات تضمن توجيه هذه الاستثمارات نحو القطاعات الإنتاجية وتعظيم استفادة الاقتصاد الوطني منها.
وختم خربوطلي بالتأكيد على أن جذب الشركات الكبرى قد يحتاج إلى بيئة أكثر استقراراً، وهو ما يجعل الاستثمار العربي والسوري المغترب والشراكات مع الشركات المتوسطة والصغيرة مسارات مهمة في المرحلة الحالية، قائلاً: إن الرهان يجب أن يبقى على «الاستثمار الإنتاجي المباشر عميق الأثر وشامل الدلالة، بغض النظر عن مصدره».
المصدر: الوطن