شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

انتخابات الغرفة.. مسار العبور نحو الشراكة الفاعلة

انتخابات الغرفة.. مسار العبور نحو الشراكة الفاعلة

د. علي الحامدي مع اقتراب استحقاقات انتخابات غرفة تجارة وصناعة عُمان للدورة المقبلة (2026 – 2030)، يقف القطاع الخاص أمام مرحلة مفصلية تتطلب إعادة صياغة جذرية لمسار الغرفة بما يواكب التحولات الاقتصادية المتسارعة؛ فلم يعد مقبولًا أن يظل هذا الصرح حبيس مهامه التقليدية المقتصرة على تصديق المعاملات وتخليصها، أو الاكتفاء بالحضور البروتوكولي في استقبال الوفود وتنظيم الندوات والملتقيات؛ بل بات لزامًا أن يتحول إلى كيان استثماري وتشريعي يمثل درعًا حقيقيًا للقطاع الخاص، وصوتًا شجاعًا ينطق بلسانه ويدافع عن مصالحه. فلطالما تُصرح الغرفة علنًا أنها الشريك الاستراتيجي الساعي لنجاح الأعمال واستدامتها، وأنها صوت القطاع الخاص وممثله أمام الحكومة والمجتمع، فلا ينبغي لها أن تصم الآذان عن شكاوى رجال الاعمال والرواد من الجنسين، أو تقف صامتة أمام ما يواجهونه من تغييرات إجرائية وتشريعات مباغتة تصدرها بعض الجهات المسؤولة فتثقل كاهل المؤسسات وتعيق نموها. وانطلاقًا من الحرص على الارتقاء ببيئة الأعمال وتصحيح مسار العمل المؤسسي لخدمة الاقتصاد المحلي، يسلط هذا المقال الضوء على المسار الحقيقي الذي يخلق الشراكة الفاعلة للغرفة مع القطاع الخاص والذي يبتدأ أولى خطواته من خلال إعادة الهيكلة الإدارية والمالية للغرفة لبناء تلك الشراكة الحقيقية المنشودة. وبالنظر إلى الواقع الاقتصادي والذي يؤكد أن لكل محافظة ميزاتها النسبية ومواردها وتحدياتها الخاصة، مما يجعل إقرار الاستقلالية الإدارية والمالية التامة لغرف المحافظات عن الإدارة المركزية في غرفة مسقط ضرورة ملحة، وذلك بالتوازي مع تأسيس "اتحاد للغرف التجارية" والذي سيعمل كمظلة تنسيقية عليا. إن هذا التوجه نحو اللامركزية سيمنح كل محافظة المرونة الكافية لإدارة شأنها الاقتصادي بفاعلية وسرعة استجابة لمتطلبات أسواقها المحلية دون قيود بيروقراطية. ولا تكتمل هذه الهيكلة دون تغيير جذري في المنظور القانوني والمالي لعلاقة المنتسب بالغرفة، بحيث يُنظر إليه كشريك مساهم في كافة أصول الغرفة الاستثمارية النقدية والعينية، وليس مجرد دافع رسوم. وبهذا التحول يكتسب المنتسب حقًا أصيلًا في الحصول على نسبة من الأرباح السنوية المحققة من استثمارات الغرفة بحسب فئة انتسابه وحجم مساهمته، لتصبح الغرفة منصة ذات عائد استثماري لمنتسبيها. ويتكامل هذا المفهوم مع ضرورة تبني هيكلة مرنة وعادلة لرسوم الانتساب تربطها بحجم العوائد الفعلية للشركات، مع تقديم حوافز وإعفاءات للشركات الناشئة في سنواتها الأولى لتخفيف الأعباء المالية عنها ودعم استمراريتها في السوق، وذلك لتأصيل انتماء التاجر للغرفة التي ترعاه وتحميه بدلًا من أن تتحول في نظره إلى جابي أموال بقوة القانون. وترسيخًا لمبادئ الحوكمة والشفافية التي تعد ركيزة في إدارة الأعمال، يتعين منح الجمعية العامة في كل غرفة تجارية الحق الكامل والمطلق في مراجعة وتدقيق كافة المصروفات التشغيلية للإدارات التنفيذية واعتماد الموازنات، لضمان توجيه تلك الأموال لتنمية اقتصاد المحافظة. وعلى صعيد التمكين وتطوير بيئة الأعمال، تفرض المرحلة القادمة إرساء شراكة إلزامية في التشريع الاقتصادي، بحيث يكون لاتحاد الغرف وغرف المحافظات دور فاعل وحاسم- وليس استشاريًا هامشيًا فحسب- في مراجعة ومناقشة القوانين والضرائب والرسوم المتعلقة ببيئة الأعمال قبل إقرارها، لتكون الغرفة بحق حائط الصد الأول لحماية مصالح القطاع الخاص من أي قرارات قد تعيق نموه. ويمتد هذا التمكين ليشمل دعم المحتوى المحلي وتوطين الفرص كأمر إلزامي لا محيد عنه، وذلك عبر تبني مبادرات تُلزم الشركات الكبرى والجهات الحكومية بتخصيص نسب محددة من مناقصاتها ومشترياتها للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة المنتسبة للغرفة، مع إعطاء الأولوية لشركات المحافظة ذاتها، على أن تكون الغرفة القدوة في هذا المسار عبر طرح كافة مشترياتها ومناقصاتها حصريًا وعلانية على الشركات المنتسبة إليها. ولأن البيئة الاستثمارية الجاذبة تتطلب قضاءً ناجزًا وفرصًا متجددة، فإن تأسيس مراكز تحكيم تجاري متطورة وفاعلة داخل غرف المحافظات يكتسب أهمية قصوى للفصل في النزاعات التجارية بين المنتسبين بسرعة وكفاءة، بعيدًا عن إطالة أمد التقاضي في المحاكم التقليدية، استجابةً للحاجة المتنامية إلى توفير بيئة قضائية عادلة وحاسمة. وفي الوقت ذاته، تقع على عاتق الغرفة مسؤولية صناعة الفرص التصديرية وبناء الشراكات من خلال تفعيل برامج عملية لتسيير وفود تجارية نوعية نحو الأسواق الإقليمية والدولية الواعدة، وجلب الاستثمارات لخلق شراكات حقيقية، إلى جانب توفير قواعد بيانات دقيقة ودراسات جدوى اقتصادية رصينة تدعم المستثمر المحلي في اتخاذ قراره الاستثماري على أسس علمية واضحة. إن هذا المسار المتكامل من وجهة نظري ليس مجرد أمنيات عابرة، بل هو تحقيق لمتطلبات المرحلة وتنفيذ استحقاقات وطنية ضرورية لخلق كيان تجاري مؤسسي يواكب طموحات التنمية الشاملة التي تجسدها رؤية عُمان 2040. وعلى المترشحين اليوم أن يدركوا تمامًا أن وعي الناخب في مجتمع الأعمال قد تجاوز حدود الشعارات الانتخابية، وأن صوته سيذهب حتمًا لمن يتبنى هذه الرؤية العصرية، ويملك الشجاعة والقدرة على تحويلها إلى واقع ملموس.

المصدر: الرؤية