شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

الكورد الفيلية: الجذور الأزلية ونبالة الأرض وجبال زاغروس

الكورد الفيلية: الجذور الأزلية ونبالة الأرض وجبال زاغروس

فؤاد ميرزا

تمهيد ومقدمة ذاتية
لم يكن النبش في دفائن التاريخ وتتبع أصول الألقاب والأسماء بالنسبة إليّ مجرد ترفٍ فكري، بل كان مسيرة شاقة للبحث عن الذات والهوية؛ تلك الهوية التي حاول الطغاة تجريفها من عروق الأرض.
ولدتُ في بغداد في منتصف خمسينيات القرن العشرين لعائلة تنتمي إلى كورد الجنوب العراقي (الكورد الفيلية). انطبعت في مخيلتي الطفولية مشاهد المقاومة الباسلة في أزقة شارع الكفاح عام 1963، وعشت مع عائلتي مرارة الأذى والاضطهاد الممنهج الذي مارسه النظام الديكتاتوري ضد وجودنا، مما دفعني قسراً إلى مغادرة وطني عام 1978، حاملاً معي جرح بغداد النازف، وحكايات أهلها، وعشقاً أزلياً للحرية لا يحده منفى.
من موطني القديم في بغداد إلى مهجري في الولايات المتحدة، حيث تخصصتُ في الهندسة الإدارية وعلوم الروبوت وواصلتُ شغفي الأدبي والتشكيلي، ظل سؤال الجذور يلاحقني كظلي؛ كيف تحول اسم عائلتي ميرزا من رمز للنبالة الساطعة في جبالنا التاريخية، إلى لقب نادر يثير الدهشة والاستغراب في حواضر عربية كالقاهرة؟ ومن رحم هذا التساؤل الشخصي الموجع، ولدت هذه الورقة البحثية الموثقة، لتعيد قراءة التاريخ المسكوت عنه، ولتثبت بالدليل القاطع أن الكورد الفيلية ليسوا عابري سبيل في تاريخ وادي الرافدين، بل هم صناع حضارته الأولى وبُناته الأصليون.
جغرافيا الطين والأزل
إن الكورد الفيلية هم السكان الأصليون الضاربون في عمق التاريخ للجهة الشرقية من العراق، وللشريط الحدودي المحاذي لجبال زاغروس، وذلك منذ عهود سحيقة سبقت الفتوحات الإسلامية والموجات البشرية اللاحقة بآلاف السنين - البلاذري، فتوح البلدان. هؤلاء الزاغروسيون الأوائل لم يفدوا إلى أرض الرافدين غزاةً أو مهاجرين، بل نبتوا من رحم تلك التضاريس الوعرة، فكانوا الامتداد البشري والجغرافي الطبيعي الذي يربط ثنايا الجبل بخصوبة السهل عبر حقب التاريخ - ابن حوقل، صورة الأرض.
وعلى مر العصور، شكّل الكورد الفيلية واللور العصب البشري والقوة العسكرية الصلبة التي نهضت عليها الإمبراطورية الساسانية وعاصمتها التاريخية المدائن - طيسفون؛ حيث كانوا حماة ثغورها الغربية وصُنّاع دورتها الاقتصادية، قبل أن يختزل المؤرخون القدامى هويتهم القومية الخاصة تحت مظلات لغوية عامة وعمياء - المسعودي، مروج الذهب. وتؤكد النصوص الساسانية القديمة المدونة باللغة البهلوية أن الحاضنة الديموغرافية والقبلية الأولى لنهوض سلالة الساسانيين كانت من عشائر وقبائل جبال زاغروس المحاربة - كتاب كارنامك أردشير بابكان، الفصل الأول.
بغداد.. تداخل العرق بالآجر:
وتجلت عراقة وجود هذا المكون وحضوره التاريخي في جغرافيا وسط العراق عندما قرر العباسيون بناء عاصمتهم الجديدة؛ فبأمر من الخليفة أبي جعفر المنصور، جرى تفكيك أبنية حاضرة المدائن المحيطة وقصورها الأثرية، واستغلال طابوقها وآجرها في ورشة البناء العملاقة لتشييد قصر الخليفة ومباني الحكومة في بغداد عام 145 للهجرة - الطبري، تاريخ الرسل والملوك / الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد. وبذلك، تداخل عرق الفيلية واللور وإرثهم الحضاري بشكل مادي مباشر في أساسات العاصمة العباسية منذ اللحظة الأولى لتأسيسها؛ فكل حجر في بغداد يحمل ملامح من أرواح أجدادنا.
إن كل محاولات الطمس الديموغرافي، والقمع القسري، وحملات التهجير الممنهجة والإبادة التي تعاقبت على الكورد الفيلية في العصر الحديث بهدف انتزاعهم من هويتهم، قد باءت بالفشل الذريع أمام صخرة صمودهم وتمسكهم بانتسابهم للأرض. لقد عاد الكورد الفيلية ليؤكدوا أن دجلة والشورجة، وخانقين ومندلي وبدرة وجصان والكوت وعلي الغربي والعمارة، وغيرها من المدن والقرى والقصبات على جانبي الجبل، ليست مجرد جغرافيا عابرة، بل هي وطنهم الأزلي؛ فمن هذه الأرض انبثق أجدادهم، وفيها تجذرت عائلاتهم، وهم باقون فيها، حراساً لتاريخهم، وشهوداً على أصالة وجود لا يقبل الشك، ولا يملك أحدٌ المساومة عليه.

The post الكورد الفيلية: الجذور الأزلية ونبالة الأرض وجبال زاغروس appeared first on جريدة المدى.

المصدر: المدى