شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

مقلوبة المقلوب في مؤتمراتنا الاكاديمية

مقلوبة المقلوب في مؤتمراتنا الاكاديمية

محمد الربيعي

تجسد طريقة تنظيم الكثير من الفعاليات والمؤتمرات أزمة عميقة في ترتيب الأولويات، حيث يتحول الجوهر العلمي إلى هامش، والهامش البروتوكولي الى معيار أساسي. فعندما تنتهي الفعالية الحقيقية فور خروج المسؤول او راعي الحفل، وتنسحب الميكروفونات والقنوات بمجرد مغادرته، نكون أمام انعكاس بنيوي يجعل من العلم والمعرفة مجرد ديكور تنظيمي يستمد شرعيته الزائفة من الحضور الرسمي فقط.
تكمن المفارقة الأولى في المنظومة الإدارية التي تحكم كثيراً من مؤتمراتنا ومؤسساتنا، حيث لا تقاس قيمة الفعالية بمخرجاتها الأكاديمية او بما يقدمه الخبراء والمختصون، بل بحضور المسؤول الأول.
المسؤول في هذا النمط هو مركز الجاذبي الوحيد، وكل ما يدور حوله ليس سوى اطار تكميلي. وبمجرد انتهاء كلمته أو مغادرته القاعة، تسقط الشرعية التنظيمية عن بقية الفقرات، فينسحب الحضور وترفع الكاميرات، وكأن المعرفة والبحث العلمي تابعة لشخص المسؤول وليست حاجة ماسة للمجتمع والمؤسسة.
وهنا تبرز السخرية القاسية في معادلة "اقتصاد الانتباه" وسلطة الإعلام الرقمي.
لو ان أي مؤتمر سار بشكل روتيني، وقدمت المحاضرات بهدوء أمام قاعات شبه خاوية، لما أثير الانتباه ولظلت الأوراق العلمية حبيسة الأدراج. لكن وقوع مشهد صدامي او غضب عفوي (كصرخة نقدية في وجه الفوضى التنفيذية) هو ما يصنع الحدث الاعلامي ويشعل منصات التواصل!
تحول مثل هذه الوقائع الى مقاطع متداولة يثبت حقيقة مؤلمة: نحن نعيش في منظومة لا تنتبه للجوهر ولا تلتفت للأفكار الجادة الا إذا مرت عبر بوابة "المشهد المثير" أو "الفضيحة الإعلامية".
لولا الإثارة، لما تساءل الجمهور عن مضمون الفعالية أو أهدافها أصلاً.
ما يحدث في هذه المؤتمرات من انسحاب جماعي وفوضى إدارية ليس مجرد تصرف عابر، بل هو نتاج ديناميكيات اجتماعية ونفسية تعرف بـ "مجتمع الاستعراض".
الحضور والإعلاميون مبرمجون نفسياً للتحرك حيث توجد الكاميرات وأضواء السلطة ولحظات التغطية السريعة.
تحول الموضوعية والعلم إلى شعارات تطبع في الكتيبات الأنيقة، بينما تدار الممارسة الفعلية بآليات تبحث عن "الصدمة" والتغطية الخاطفة.
انها حالة من تسطيح الوعي الجمعي، تصبح فيها الشكلية هي الأصل، ويصبح العمل الجاد ضحية لعقلية تقتات على الإثارة المؤقتة وتتجاهل الاستدامة والتنمية الحقيقية.
ان أي اعتراض أو صرخة غضب تخرج بوجه القاعات الفارغة في مؤتمراتنا يجب الا تقرأ كخبر طريف او مقطع رائج على منصات التواصل، بل كـ "إنذار مبكر" لخلل بنيوي عميق في الثقافة المؤسسية.
ما لم نتحرر من قيود البيروقراطية الشكلية، ونفطم مؤسساتنا عن ادمان الإثارة والصخب الإعلامي، ونعيد الاعتبار للمعرفة والخبرة بناءً على القيمة الفكرية لا على حضور المسؤولين، سنظل ندور في فلك "المقلوبة بالمقلوب"؛ نحتفي بالشكل وندفن الجوهر.

The post مقلوبة المقلوب في مؤتمراتنا الاكاديمية appeared first on جريدة المدى.

المصدر: المدى