شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

الأردن يُضيّق الخناق على الإرهاب

الأردن يُضيّق الخناق على الإرهاب

في خطوة تعكس توجهاً أردنياً نحو تشديد المواجهة القانونية مع الإرهاب والتطرف، قرر مجلس الوزراء البدء بتعديل حزمة من القوانين والتشريعات ذات الصلة بالجرائم الإرهابية، بهدف تغليظ العقوبات على مرتكبيها، وتعزيز قدرة الدولة على حماية أمنها الوطني وصون السلم المجتمعي، في ظل تحديات أمنية متزايدة تفرض مراجعة مستمرة للأدوات التشريعية والوقائية. يأتي هذا التوجه في توقيت بالغ الأهمية، في ضوء التطورات الأمنية الأخيرة التي شهدتها المملكة، وما أعادته من نقاشات حول ضرورة تطوير التشريعات الناظمة لمكافحة الإرهاب، وضمان وجود عقوبات تتناسب مع خطورة هذه الجرائم وانعكاساتها على أمن المواطنين واستقرار الدولة. ولا تقتصر أهمية هذه التعديلات على رفع مدد العقوبات السجنية فحسب، بل تمتد إلى إعادة النظر في فلسفة التعامل القانوني مع الجرائم الإرهابية، من خلال توسيع نطاق المساءلة لتشمل المحرضين والمتعاونين والمتدخلين، والتعامل مع المخاطر المحتملة التي قد تستمر بعد انتهاء المحكومين من تنفيذ أحكامهم. تشديد العقوبات.. تحول في فلسفة الردع القانوني تتمثل أبرز ملامح التعديلات التي قرر مجلس الوزراء البدء بإجراءاتها في مضاعفة الحد الأدنى للعقوبات في جرائم الإرهاب المنصوص عليها في قانون منع الإرهاب، ليرتفع من خمس سنوات إلى عشر سنوات، ومن عشر سنوات إلى خمس عشرة سنة في بعض الحالات، فيما تصل العقوبات في الجرائم الأشد خطورة إلى الإعدام، وفقاً لأحكام القانون. كما تتضمن التعديلات المقترحة جمع مدد العقوبات في حال تعدد الجرائم الإرهابية التي يرتكبها الشخص، بحيث تحتسب عقوبة كل جريمة بصورة مستقلة، بدلاً من الاكتفاء بالعقوبة الأشد كما هو معمول به حالياً. ويحمل هذا التوجه دلالات قانونية مهمة، إذ يسعى إلى جعل العقوبة أكثر ارتباطاً بتعدد الأفعال الجرمية وخطورتها، وعدم اختزال مجموعة من الجرائم في عقوبة واحدة لا تعكس بالضرورة حجم المسؤولية الجنائية المترتبة عليها. ومن شأن هذا التعديل، وفق الرؤية الحكومية، تعزيز الردع العام والخاص، وتأكيد أن ارتكاب أكثر من جريمة إرهابية سيترتب عليه تحمل المسؤولية القانونية عن كل فعل على حدة. لا إفراج مبكرا.. وتشديد احتساب مدة المحكومية ومن بين أبرز الإجراءات التي تضمنتها الحزمة التشريعية، إعادة النظر في آلية احتساب مدة الحبس للمحكومين في قضايا الإرهاب، بحيث تصبح سنة الحبس اثني عشر شهراً بدلاً من تسعة أشهر. ويهدف هذا الإجراء إلى حرمان المحكومين في هذه القضايا من الاستفادة من أحكام المادة 34 من قانون مراكز الإصلاح والتأهيل، التي تتيح الإفراج عن النزيل بعد قضاء ثلاثة أرباع مدة محكوميته، وفق الشروط والأحكام المعمول بها. وفي السياق ذاته، قررت الحكومة اعتباراً من الثامن من تشرين الثاني الحالي وقف استفادة المحكومين حالياً في قضايا الإرهاب من الاستثناء المرتبط بحسن السلوك، واحتساب سنة الحبس لهم اثني عشر شهراً بدلاً من تسعة، إلى حين استكمال التعديلات التشريعية. ويعكس هذا الإجراء توجهاً نحو التعامل مع الجرائم الإرهابية باعتبارها جرائم ذات طبيعة خاصة، نظراً لما قد يترتب عليها من تهديد لحياة الأفراد وأمن المجتمع ومؤسسات الدولة. الرقابة بعد انتهاء العقوبة.. حماية مستمرة للمجتمع ومن الملفات المهمة التي تطرحها التعديلات الحكومية مسألة التعامل مع المحكومين بعد انتهاء مدد أحكامهم، إذ تتجه الحكومة إلى فرض تدابير احترازية إلزامية عليهم، تستمر للفترة التي تراها المحكمة مناسبة، وفقاً لطبيعة كل حالة وخطورتها. وتشمل التدابير المقترحة الرقابة الإلكترونية والتتبع وفرض الإقامة الجبرية وغيرها من الإجراءات التي تقررها المحكمة. وتبرز أهمية هذه الخطوة في أنها تنقل التعامل مع ملف الإرهاب من مرحلة تنفيذ العقوبة إلى مرحلة أوسع تتعلق بالوقاية وإدارة المخاطر، بما يهدف إلى الحد من احتمالات تكرار الأفعال الإجرامية، مع ضرورة أن تخضع هذه التدابير للرقابة القضائية والضوابط القانونية الواضحة. مواجهة الإرهاب لا تنتهي بالضرورة عند انقضاء مدة الحكم، وإنما تتطلب، في الحالات التي تستدعي ذلك قانوناً، متابعة تضمن حماية المجتمع وتحافظ في الوقت ذاته على الحقوق والحريات التي كفلها الدستور. تجفيف منابع الإرهاب ومحاسبة المحرضين والمتعاونين ومن أبرز جوانب الحزمة التشريعية الجديدة أنها لا تركز على مرتكب الجريمة الإرهابية وحده، وإنما تمتد إلى الأطراف التي تسهم في وقوعها أو تساعد على تنفيذها. الحكومة تتجه إلى مضاعفة العقوبات على المتعاونين والمحرضين والمتدخلين في الجرائم الإرهابية، إلى جانب تغليظ العقوبات المتعلقة بخطاب الكراهية والسلوكيات المرتبطة بقضايا الإرهاب. وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة، لأن مواجهة الإرهاب لا يمكن أن تقتصر على معاقبة المنفذ النهائي، بل تتطلب مساءلة كل من تثبت مسؤوليته القانونية عن المساهمة في الجريمة، وفقاً لطبيعة دوره والأدلة المتوافرة. كما أن تشديد العقوبات المرتبطة بخطاب الكراهية يفتح الباب أمام نقاش أوسع حول مسؤولية المؤسسات الرسمية والتعليمية والإعلامية والمجتمعية في الحد من الخطابات التي تحرض على العنف أو تبرر الاعتداء على الآخرين. وفي هذا الإطار، تبرز أهمية التمييز القانوني الدقيق بين التحريض على ارتكاب الجرائم والتعبير عن الآراء والمواقف، بما يضمن مكافحة التطرف دون المساس بحرية التعبير التي يحميها الدستور. الأمن الوطني والسلم المجتمعي.. أولوية تتجاوز حدود العقوبة إن التعديلات المرتقبة تعكس إدراكاً رسمياً بأن الإرهاب لم يعد تحدياً أمنياً تقليدياً فحسب، بل أصبح ظاهرة متعددة الأبعاد، تتداخل فيها الجوانب الفكرية والاجتماعية والإعلامية والتكنولوجية. ومن هنا، فإن نجاح أي منظومة تشريعية لمكافحة الإرهاب يتطلب أن تترافق العقوبات المشددة مع سياسات وقائية تستهدف معالجة الظروف التي تسمح بانتشار التطرف، وتعزيز الوعي لدى الشباب، وتحصين المؤسسات التعليمية والاجتماعية من محاولات الاستقطاب. كما تبرز أهمية تطوير الخطاب الإعلامي الوطني، بما يسهم في نشر ثقافة الاعتدال والتسامح، ومواجهة الشائعات والمعلومات المضللة، وعدم السماح للجماعات المتطرفة باستغلال المنصات الرقمية لنشر أفكارها أو تبرير أعمالها. وفي هذا السياق، فإن المسؤولية لا تقع على عاتق الأجهزة الأمنية وحدها، بل تتطلب شراكة حقيقية بين الحكومة والبرلمان والمؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية ومؤسسات المجتمع المدني. ومع قرار الحكومة منح التعديلات صفة الاستعجال وإحالتها إلى مجلس النواب خلال أسبوعين من تاريخ الإعلان عنها، وفق الإجراءات الدستورية، ينتقل النقاش إلى المؤسسة التشريعية التي ستكون أمام مسؤولية دراسة هذه التعديلات ومناقشة آثارها القانونية والعملية. وتكمن أهمية الدور النيابي في ضرورة تحقيق التوازن بين تشديد العقوبات من جهة، وضمان وضوح النصوص القانونية ودقتها وتناسب العقوبة مع الجريمة من جهة أخرى. التشريع الفاعل لا يقاس فقط بمقدار العقوبة التي يفرضها، وإنما بمدى قدرته على تحقيق العدالة، ومنع التكرار، وسد الثغرات القانونية، وضمان عدم إساءة تفسير النصوص أو تطبيقها خارج الغايات التي وضعت من أجلها. كما أن مراجعة التشريعات المرتبطة بالإرهاب ينبغي أن تتضمن معالجة أي تداخل أو تعارض محتمل بين القوانين، بما يعزز وحدة المنظومة القانونية ويضمن استقرار الاجتهاد القضائي. ومع أهمية تشديد العقوبات في مواجهة الجرائم الإرهابية، فإن فاعلية هذه الخطوة تظل مرتبطة بمدى تكاملها مع استراتيجية وطنية شاملة لمكافحة التطرف، تقوم على الوقاية والكشف المبكر والمعالجة الفكرية والاجتماعية. التجارب المختلفة تشير إلى أن مواجهة الإرهاب لا تتحقق بالأدوات العقابية وحدها، وإنما تحتاج إلى منظومة متكاملة تعالج البيئة الفكرية التي تسمح بنمو التطرف، وتمنع استغلال الأزمات الاجتماعية والاقتصادية لنشر الأفكار المتشددة. وهنا تبرز أهمية دور الأسرة والمدرسة والجامعة والمؤسسات الدينية والإعلامية في تعزيز قيم المواطنة والانتماء والتسامح، وتحصين الأجيال من الأفكار التي تقوم على الإقصاء والعنف ورفض الآخر. كما أن تعزيز الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، وترسيخ سيادة القانون، يمثلان عنصرين أساسيين في بناء جبهة داخلية متماسكة قادرة على مواجهة التحديات الأمنية والفكرية. في المحصلة، تمثل التعديلات التي بدأت الحكومة إجراءاتها لتغليظ العقوبات على مرتكبي الجرائم الإرهابية خطوة مهمة في مسار مراجعة المنظومة التشريعية والأمنية، ورسالة قانونية مفادها أن الاعتداء على أمن المواطنين ومؤسسات الدولة والسلم المجتمعي سيواجه بمساءلة تتناسب مع خطورة الجريمة، غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن في تشديد العقوبات وحده، بل في قدرة الدولة على تحويل هذه التعديلات إلى منظومة متكاملة تجمع بين الردع والوقاية والعدالة، وتضمن التطبيق الدقيق للقانون، وتحاصر منابع التطرف قبل أن تتحول إلى تهديد فعلي للمجتمع. الأمن الوطني مسؤولية مؤسسية ومجتمعية مشتركة، وحماية الأردن وستقراره يتطلبان تشريعات متطورة ومؤسسات قوية ووعياً مجتمعياً راسخاً، يؤمن بأن سيادة القانون هي الأساس الذي تُصان به الحقوق، وتُحمى به الدولة، ويُحافظ من خلاله على أمن المجتمع ومستقبله.

المصدر: الدستور