باليت المدى: نافذة تفتح ذراعيها للضوء
ستار كاووش
ليس من السهل التخلص من حبائل الفنان بونار حين يباغتك بإحدى لوحاته المشرقة كالشمس. هكذا شعرتُ وأنا أرى من بعيد لوحته (غرفة الطعام) حين كنتُ في زيارة لمتحف كارلسبورغ في مدينة كوبنهاغن. كل شيء هنا مهيأ للإيقاع بك وإصطحابك الى عالم بعيد، هو بيت الفنان في الريف النورماندي جنوب فرنسا، حيث الضوء الذي ساعدَ هذا الفنان على رسم لوحاته القزحيه بطريقة جعلته واحداً من أعظم المُلونين في تاريخ الرسم. ورغم بساطة موضوع اللوحة -مثل أغلب لوحاته- لكنها قد أضاءتْ صالة المتحف مثل جوهرة كبيرة وبطريقة لا يمكن تجاوزها.
إقتربتُ من اللوحة ببطء كأني صبي يقترب بهدوء من فراشة يخاف أن تطير فجأة. وحين صارت عيناي بمحاذاة القماشة، تمعنتُ بطريقة الرسم الساحرة التي بدت غير متكلفة لكنها هي ذات البساطة التي يتمتع بها الملونين الكبار عادة. تتداخل لطخات الفرشاة فتمتزج الالوان مع بعضها بطريقة جعلتني لا أميز بسهولة إن كان اللون القريب من عيني بنفسجياً أم أزرق، أم الأثنين معاً؟، وهذه اللمسات الصفراء والوردية التي تعلوا القماشة جعلتْ مهمة اكتشاف ماهية اللون صعبة بل مستحيلة. ما عليك هنا سوى التماهي بين التفاصيل التي بدتْ لأول وهلة كأنها رُسمتْ على عجل، وهذه هي تقنية بونار الذي يحرك فرشاته كما يحرك المايسترو عصاه، فينثر أمامنا فسيفساء يتداخل فيها الأخضر مع درجات الازرق، فيما بقع الضوء المبثوثة هنا وهناك هي سيدة الموقف.
على يمين اللوحة تظهر مارث، وهي زوجة الفنان ممسكة ببعض الطعام الذي تحاول إعطاءه للكلب الذي يظهر جزء صغير جداً منه حيث تحجبه الطاولة، فيما إبنه الشاب الصغير يأخذ مكانه على طرف الطاولة، مائلاً بوجهه قليلاً وخافضاً بصره نحو الكلب الأسود الذي يحفظ تصرفاه عن ظهر قلب. وفي عمق اللوحة على زجاج الباب المفتوح ينكشف انعكاس وجه رجل يبدو غامضاً، هو وجه الفنان نفسه، والذي لم يرد أن يفوت فرصة أن يكون أحد أبطال هذه اللحظة التي سبقتْ تناول الطعام بدقائق معدودة. الطاولة التي تشغل نصف مساحة اللوحة تقريباً، بدتْ شفافة وتتوسطها سلة مليئة بالفاكهة، إضافة الى مجموعة من الأطباق الأخرى وإناء مليء بالماء وكتاب كبير الحجم كأنه ألبوم صور العائلة. وكي يتوازن المشهد، أظهرَ بونار جزءً من الحديقة الجانبية على يمين اللوحة. منظر طبيعي مشرق وعائلة تتأهب لتناول الطعام، والريف الفرنسي الذي يُفصح دائماً عن الضوء الذي يحتاجه فنان مثل بونار.
كل محبي أعمال برنار ربما سيتخيلون هنا أن مارث قد خرجت تواً من حوض الاستحمام (رسم لها بونار ثلاثمائة وخمسين لوحة وهي تستحم، لأنها كانت تعاني من التهاب في الحنجرة، مما يتطلب منها البقاء فترات طويلة في حوض الاستحمام، يضاف الى انها كانت مهووسة بالنظافة)، هكذا توسطت زوجة الفنان المطبخ لتعد الطعام لإبنها وزوجها الذي لم يفوت هذه اللحظة الخاصة، وثبتها في واحدة من لوحاته التي اعتاد رسمها لداخل البيت بطرق مختلفة، وربما لم يتخيل أن تخرج هذه اللوحة من النورماندي لتجوب أماكن عديدة، قبل أن تصل الى هذا المتحف، ليقف أمامها في النهاية، فنان عراقي محباً لأعمال بونار ومنبهراً بٍقدرة هذا الفنان على الإمساك بلحظة عابرة، لكنها كانت كافية لتقول إن الرسم لا يحتاج الى موضوعات كبيرة ليكون في المقدمة، بل يحتاج الى طريقة خاصة بمعرفة ماهية اللون وشعرية لمسات الفرشاة وحساسية تحويل اليومي الى تحفنة مؤثرة.
يعتمد بونارد على تقنية فريدة في الرسم، فهو يشبه موسيقياً يضع نغماته مرة واحدة، دون تردد أو مواربة، فالجمال ليس بحاجة الى التعقيد، وهو يعرف أن التَرَف له تأثير يفوق الفولاذ، كما إن اللمسات الطيعة الصغيرة لها غواية أكثر من الموضوعات المعقدة.
الشمس المشرقة تضيء الحقل في الخارج، والعلاقات العائلية تضيء طاولة الطعام في الداخل. ونحن حصلنا على لوحة رائعة.
الكل رابح إذن أمام هذا المشهد الذي يبدو عفوياً تماماً، لكنك حين تتأمل اللوحة جيداً، تري كيف وزع الفنان الأدوار بعناية فائقة، حتى أنه تعمد الى تغيير المنظور وتغريب زاوية الرؤية كي يمنحنا لوحة فائقة الجمال والمتعة والتأثير. الباب المفتوح والنافذة التي تفتح ذراعيها للضوء، والشخص الغريب الذي يبدو خلف زجاج الباب، إنه الغموض الذي ينبثق من أكثر اللحظات واقعية وحميمية.
ينتظر بونار أن يجهز الطعام على الطاولة، وقبل هذا يتطلع الى إنهاء هذه اللوحة، فيما ابنه الصغير مازال معلقاً نظره على الكلب، وبينهما تحاول مارث أن ترفع يدها ولا تستجيب أكثر لمداعبات الكلب المدلل، بل تمد يدها نحو أدوات المطبخ لتعد طعام الغداء وسط هذه اللحظة التي بقيت خالدة على قماشة الرسم.
مرَّ بعض الوقت وأنا أتفحص ألوان اللوحة وتكوينها، لأنتبه الى أن بعض زائري المتحف يقتربون من اللوحة ثم يلقون نظرة سريعة، ويكملون طريقهم وسط الصالات الكثيرة. أما أنا فتسمرتُ في مكاني لأني أعرف ما تعنية فرشاة رسام مثل بونار. وفي النهاية إلتَفَتُّ نحو الأرائك التي توسطت الصالة، وتراجعت قليلاً عن اللوحة، ثم جلستُ على أحدى هذه الأرائك، وثبَّتُ بصري على تفاصيل اللوحة وكأني أعيش في النورمادي وسط الحقول الخضر وضوء الشمس وهذه العائلة السعيدة.
The post باليت المدى: نافذة تفتح ذراعيها للضوء appeared first on جريدة المدى.
المصدر: المدى