خبيران يُحدّدان شرطين لنجاح "المسار الوطني للتكنولوجيا المتقدمة" في سوريا
دمشق-سانا
يربط المسار الوطني للتكنولوجيا المتقدمة، المُحدث بالمرسوم رقم (183)، التعليم الثانوي بالجامعي عبر تخصصات تطبيقية تستهدف إعداد كفاءات وطنية في مجالات التكنولوجيا والابتكار وتلبية احتياجات سوق العمل.
وكان الرئيس أحمد الشرع أصدر في السابع من تشرين الأول الجاري المرسوم القاضي بإحداث مدارس متخصصة في المرحلة الثانوية باسم “مدارس التكنولوجيا المتقدمة”، وكليات جامعية باسم “كليات التكنولوجيا المتقدمة”.
ويقوم المسار على اتجاهين، رقمي وصناعي، لتعزيز الانتقال من استهلاك التكنولوجيا إلى إنتاجها وتوطينها.
من التلقين إلى الابتكار.. 60 بالمئة للتطبيق العملي
يرى خبير دمج التكنولوجيا بالتعليم مناف مشهور أن أهمية المسار تتجاوز استحداث مدارس وتخصصات جديدة، إذ يؤسس لنموذج يجعل المختبرات والبرمجة والروبوتات والمحاكاة الرقمية أدوات أساسية للتعلم، بدلاً من الاقتصار على الحفظ والتلقين.
ويشدد مشهور على أهمية دمج تطبيقات الذكاء الاصطناعي التوليدي وأنظمة المحاكاة الافتراضية في تدريس الروبوتات والأمن السيبراني والطاقة الذكية، إلى جانب استخدام منصات التقييم الذكي لتحديد احتياجات الطلاب وتخصيص مسارات تعلم تتناسب مع قدراتهم.
ويتفق الخبير التربوي توفيق حمود مع هذا التوجه، موضحاً أن التطوير ينبغي أن يشمل طبيعة الصف والمنهج وطرق التقييم، لا الكتب وحدها، مشيراً إلى أن تخصيص نحو 60 بالمئة من المنهج للتطبيق العملي يتيح للطلاب اختبار المعرفة وتوظيفها في مشروعات ملموسة.
ويقترح حمود تصميم الروبوتات ودوائر الطاقة الذكية افتراضياً قبل تنفيذها في المختبرات، والاستعانة بمنصات رقمية وطنية للدروس والمحاكاة والواجبات، بما يعزز الجانب التطبيقي في العملية التعليمية.
وتنسجم هذه الرؤية مع توجه وزارة التربية إلى فتح مسارات تخصصية في الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وهندسة البرمجيات والروبوتات والأتمتة والطاقة والتصنيع الذكي، لمواكبة التحولات التقنية واحتياجات سوق العمل.
المشروعات العملية بديلاً عن الامتحانات التقليدية
يدعو مشهور إلى تقييم قدرة الطلاب على تطوير حلول برمجية وهندسية والعمل الجماعي لمعالجة مشكلات واقعية، بدلاً من الاعتماد على الامتحانات الورقية وحدها.
ويقترح حمود اعتماد المشروعات التطبيقية والعروض التقديمية وملفات الإنجاز عناصر أساسية في التقييم، مستشهداً بتطوير تطبيق لخدمة بلدية، أو ابتكار نظام للحماية الرقمية، بما يتيح قياس قدرة الطالب على التفكير والابتكار وتطبيق المعارف، لا مجرد استرجاع المعلومات.
ويتيح هذا النهج، وفق رؤية الخبيرين، ربط التقييم بقدرة الطالب على توظيف ما تعلمه في مواقف عملية، وإظهار مهاراته في حل المشكلات والتعاون وتطوير الأفكار وتحويلها إلى تطبيقات قابلة للاستخدام.
تأهيل المعلمين والبنية التحتية.. شرطان لنجاح المسار
يؤكد مشهور أن تطبيق المسار يتطلب بنية تحتية رقمية تشمل اتصالاً سريعاً بالإنترنت ومختبرات للروبوتات وتجهيزات حاسوبية متطورة، إلى جانب تأهيل المعلمين للانتقال من دور الملقّن إلى موجّه للعملية التعليمية، داعياً إلى برامج تدريب مكثفة بالتعاون مع الجامعات وخبراء القطاع التقني.
بينما يحدد حمود متطلبات التأهيل في المهارات التقنية، ومنها البرمجة وأساسيات الأمن السيبراني، والمهارات التربوية المرتبطة بإدارة المشروعات وحل المشكلات، والقدرة على تقييم الإنجازات العملية.
كما يقترح تنظيم دورات تأهيلية للمعلمين واستقطاب مهندسين من القطاع الخاص للعمل مدربين مساعدين.
ويتقاطع ذلك مع ما أعلنه وزير التعليم العالي والبحث العلمي مروان الحلبي عن التوجه للاستفادة من أساتذة الجامعات وخبراء من الخارج، إلى جانب الكوادر التربوية، لتوفير الخبرات اللازمة للمدارس الجديدة.
3 محافظات تستقبل الدفعة الأولى الشهر القادم
وأوضح وزير التربية والتعليم محمد عبد الرحمن تركو أن المرحلة الأولى من المسار الوطني للتكنولوجيا المتقدمة ستشمل دمشق وحمص وحلب، بطاقة استيعابية تبلغ نحو 100 طالب في كل مدرسة، مع إتاحة التسجيل للطلاب من مختلف المحافظات.
وبيّن أن القبول يشترط حصول الطالب على 85 بالمئة على الأقل في شهادة التعليم الأساسي واجتياز الامتحان الوطني المعياري، على أن تعلن الوزارة لاحقاً تفاصيل التسجيل وشروطه.
وجاء ذلك عقب اجتماع عقده وزيرا التربية والتعليم العالي يوم الخميس الماضي، لبحث خطة تطبيق المسار خلال العام الدراسي الحالي، وإعداد المناهج والكوادر البشرية والتعليمات التنفيذية اللازمة، على أن يبدأ الدوام في الأول من تشرين الثاني المقبل.
وأشار تركو إلى أن التعليمات التنفيذية ستحدد قيمة المكافآت المخصصة للطلاب، مع توجه إلى صرفها بصورة فصلية، لافتاً إلى خطط التوسع عبر افتتاح مدارس جديدة وزيادة الطاقة الاستيعابية للمدارس القائمة.
تكافؤ الفرص.. كيف يصل التعليم المتقدم إلى الجميع؟
يحذر حمود من أن يؤدي تفاوت الإمكانات التقنية بين الأسر والمناطق إلى توسيع الفجوة الرقمية بدلاً من تقليصها، داعياً إلى تجهيز المدارس بالحواسيب والإنترنت والمختبرات، وعدم تحميل الطلاب أعباء تأمينها على نفقتهم الخاصة.
ويدعو إلى توفير مختبرات متنقلة ومناهج تعمل دون اتصال بالإنترنت لخدمة المناطق الريفية، إلى جانب إتاحة الاختبار الوطني المعياري مجاناً في مديريات التربية، بحيث يقيس التفكير المنطقي والقدرات العلمية، لا المعارف التي قد يكتسبها بعض الطلاب من معاهد خاصة.
ويشير حمود إلى أن أهمية هذه الإجراءات تبرز مع انطلاق المرحلة الأولى في ثلاث محافظات، رغم إتاحة التسجيل للطلاب من مختلف المحافظات، إذ يتطلب التوسع ضمان تكافؤ فرص الوصول إلى التعليم المتقدم والاستفادة منه، وليس الاكتفاء بزيادة عدد المدارس.
3 سنوات للوصول إلى سوق العمل.. ماذا بعدها؟
أوضح وزير التعليم العالي أن التوجه يتضمن إحداث كليات للتكنولوجيا المتقدمة تعتمد نظام الجذع المشترك في السنة الأولى، تليه سنتان للتخصص، بما يتيح للطالب الحصول على إجازة في التكنولوجيا المتقدمة بعد ثلاث سنوات والدخول إلى سوق العمل.
وأشار إلى أنه يمكن للخريج متابعة سنة إضافية للحصول على شهادة في هندسة التكنولوجيا المتقدمة، ثم استكمال الدراسات العليا في مرحلتي الماجستير والدكتوراه.
ويربط مشهور نجاح التجربة بقدرة الخريجين على تطوير حلول تقنية قابلة للتطبيق، مقترحاً قياس أثرها من خلال نسب توظيف الخريجين، وعدد المشروعات التي تتحول إلى شركات ناشئة، ومدى تحديث المناهج بما يتوافق مع متطلبات سوق العمل.
من جهته، يشدد حمود على ضرورة انطلاق المخرجات التعليمية من احتياجات المجتمع الفعلية، وربط التكنولوجيا بمواد دراسية أخرى، كالرياضيات لبناء الخوارزميات، واللغة العربية لإعداد تقارير المشروعات، والتربية الأخلاقية لترسيخ الاستخدام المسؤول للتقنيات الرقمية.
المصدر: سانا