قراءة غير تقليديّة في واقعة توقيف 61 مغربيًّا بالجزائر
قلّلت بعض الأصوات المغربية من خطورة خبر توقيف الشرطة الجزائرية شبكة اجرامية دولية تضم 61 مغربيا، كانت تخطط لتنفيذ اعمال تمس بالأمن والنظام العام داخل الوطن. واعتبرت تلك ان الأمر وما فيه مجرد شباب يائس حاول الهجرة غير الشرعية عبر وهران بعد ما باتت الأبواب المغربية مسدودة. يمكن تفنيد هذه المغالطات المغربية من أوجه عديدة. أولها حتى بافتراض ان هؤلاء مجرد مهاجرين غير شرعيين، فإنه من المعلوم ان القانون الجزائري يجرم هذا الفعل ويعاقب عليه. ويحاربه بمختلف الوسائل وفاء بالتزامات الدولة الجزائرية ومسؤوليتها تجاه القوانين الدولية والتي تجعلها محل احترام وتقدير من طرف جيرانها وشركائها. وتساهل الدولة مع هذه الأنشطة يضر بها وبأمنها القومي ويؤثر على سمعتها. ثانيا تلك المجموعة دخلت الجزائر بطريقة غير شرعية من أقصى شرقها إلى غربها. وفي كل هذا المسار كانت بحاجة لدعم لوجيستي، ونظرا للتطورات التي تعرفها الحروب في هذا العصر فلا يستبعد ان تكون هذه المجموعة وغيرها تندرج ضمن خطة متوسطة إلى بعيدة المدى، هدفها خلق شبكات دعم وإسناد عبر نسج علاقات مع شبكات الجريمة المنظمة التي تشتغل في البداية في اطار الهجرة غير الشرعية، ولكن عبر الإغراءات المالية وتوطيد العلاقات تستغل لاحقا لتنفيذ أعمال إجرامية بشكل مباشر او على الأقل توفير الدعم وغيره من الأمور التي قد لا تدري بأبعادها الحقيقية أساسا. ولا يستبعد في هذا الإطار ان تكون لهذه الشبكات علاقة بتجارة المخدرات التي باتت تصنف ضمن خانة الحرب في الجزائر. والأخطر من ذلك ان يكون هناك مخطط للحرائق في الصيف القادم. والانتقال كل هذه المسافة من التسطيح حصره في التحرك العابر، بل قد يكون كما سبق الإشارة هدفه توطيد العلاقات مع شبكات الجريمة المنظمة في داخل الجزائر لتحويلها لأداة لضرب الأمن القومي الجزائري. وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى مفارقة ادراكية في تحديد مفهوم الأمن والخطر، حيث أن بلدًا يقنن انتاج المخدرات ويصدرها لا يمكن مقارنته مع بلد آخر يشدد قوانين واجراءات منعها والوقاية منها بمختلف الوسائل حفاظا على شبابه. وهنا يجب التذكير ايضا ان البلد الذي ارسل الآلاف من أبنائه وبناته في موجة هجرة غير شرعية خدمة لأجندة دول اخرى للضغط على الحكومة الاسبانية ليست له مشكلة في المتاجرة بالعشرات من شبابه ايضا لأهداف أقلها تسويق صورة ان الجزائر هي الأخرى مصدر للهجرة غير الشرعية، لعله يمحي تلك الصورة التي ترسخت عنه بعد أحداث سبتة أواخر جويلية الماضي. لذلك، في قراءة هذا الحدث يجب عدم الوقوف عند المفاهيم التقليدية للأمن وانما استحضار مفهوم الحروب الهجينة والجيل الخامس والسادس من الحروب، لأن موازين القوة التقليدية تجعل المغرب بعيدا كل البعد عن مواجهة الجزائر، وكل ما تستطيعه هو محاولة اضعافها من خلال تجريب كل الوسائل الممكنة للإضرار بالجبهة الداخلية والتماسك الاجتماعي. وهذا ما يفسر السردية الجزائرية لهذا الحدث بمخاطره المستقبلية وليس التهوين والتبسيط الذي يحاول المغاربة إدراجه ضمنه للتقليل من أهميته. الجزائر ليست فضاء مفتوحا أمام شبكات الإجرام والاختراق وفي السياق ذاته، أبرز الخبير الجزائري، أحمد ميزاب، أن الجزائر بمثابة الجدار القوي المتين الذي تتحطم عنده جميع المؤامرات والدسائس ومختلف الأساليب العدائية التي تستهدف استقرار البلاد وأمنها القومي. وذكر ميزاب، المختص في الشؤون السياسية والخبير في القضايا الجيوسياسية والأمنية في تصريح لـ”واج”، أن “نظام المخزن المغربي، بما يحيط بسياسته الإقليمية من رهانات عدائية وتقاطعات أمنية مثيرة للقلق، لا يمكنه أن يتوقع من الجزائر أن تتعامل بسذاجة مع مؤشرات التهديد أو أن تغض الطرف عن أي شبكات أو واجهات تستخدم للمساس بسيادتها”. وتابع قائلا: “إذا كان نظام المخزن يراهن على تعدد الأدوات وتغيير الواجهات والالتفاف على قواعد التعامل بين الدول، فإن الرهان الجزائري يقوم على اليقظة الإستراتيجية والسيادة في اتخاذ القرار والقدرة على تحويل المعطيات الأمنية إلى أدلة وإجراءات حاسمة”، لافتا إلى “الدول التي تبني رهاناتها على زعزعة استقرار جيرانها، إنما تزرع عوامل التوتر في محيطها، بينما تظل قوة الجزائر في مؤسساتها وتماسك جبهتها الداخلية واستقلال قرارها الوطني”. وتأتي هذه العملية الأمنية التي تمكنت من خلالها مصالح الأمن الوطني بوهران من تفكيك شبكة إجرامية دولية مغربية كانت تحضر لارتكاب أعمال تخريبية داخل الوطن، في سياق سلسلة النجاحات التي تحققها المؤسسات الأمنية في تفكيك الشبكات الإجرامية وإحباط المخططات التخريبية، وهو ما يبرز -حسب ذات الخبير- أهمية “القراءة الإستراتيجية التي تتجاوز حدود الواقعة الأمنية، لتطرح تساؤلات جدية حول طبيعة الأدوات التي يجري توظيفها لاستهداف الجزائر ومحاولة المساس بأمنها واستقرارها”. وشدد ميزاب على أن هذه العملية هي بمثابة رسالة إستراتيجية مفادها أن الجزائر “ليست فضاء مفتوحا أمام الشبكات الإجرامية أو محاولات الاختراق والتخريب، وأمنها الوطني ليس مجالا للمساومة أو التجريب، وأن كل من يخطط لاستهداف سلامة المواطنين أو الممتلكات أو مؤسسات الدولة يجب أن يدرك أن مثل هذه الأفعال ستواجه بأدوات الدولة القانونية والأمنية، وأن كلفة الرهان على اختراق الجبهة الداخلية ستكون مرتفعة من حيث الملاحقة والتحقيق والمساءلة القضائية”. كما أن الجزائر -مثلما أضاف- “ليست ساحة مستباحة، وأمنها الوطني ليس ورقة قابلة للتوظيف في حسابات نظام المخزن أو رهانات حلفائه”، مؤكدا على أن “الدولة الجزائرية، بمؤسساتها الأمنية والاستخباراتية، تمتلك من الخبرة والجاهزية ما يؤهلها لكشف التهديدات وتحييدها وإفشال محاولات الاختراق والتخريب قبل بلوغ أهدافها”. إفشال المخطط العدائي يعكس المستوى العالي لليقظة الأمنية والجيوسياسية وتمثل هذه العملية النوعية -وفق السيد ميزاب- مؤشرا يعكس اليقظة المؤسساتية وفعالية العمل الأمني الاستباقي وقدرة الدولة الجزائرية على حماية أمنها ومجالها الوطني. وأضاف أن هذه العملية تمثل، من منظور أمني واستراتيجي، “مؤشرا على مستوى اليقظة المؤسساتية العالية وفعالية العمل الأمني الاستباقي وقدرة الدولة الجزائرية على حماية أمنها ومجالها الوطني والتعامل مع التهديدات قبل انتقالها من مستوى التخطيط إلى مستوى التنفيذ”. وأوضح أنه “في العقيدة الأمنية الحديثة، يقاس النجاح بمدى القدرة على كشف التهديد في مراحله المبكرة وتحديد امتداداته المحتملة وتحييد قدرته على التنفيذ”، مبرزا أن التحقيقات أشارت إلى تخطيط عناصر هذه الشبكة لتنفيذ أعمال تخريبية، وبالتالي فإن العملية أظهرت “الأهمية الحقيقية للعمل الأمني الاحترافي والاستباقي القائم على الرصد والتحليل والتحري والتنسيق والتدخل في التوقيت المناسب”. كما تعكس هذه العملية -مثلما قال- “أهمية الجاهزية الاستخباراتية”، مشيرا إلى أن الإشادة المستحقة بالمؤسسات الأمنية “لا ينبغي أن تقتصر على نجاح التدخل فقط، بل يجب أن تشمل قيمة العمل التحليلي والاستباقي الذي يتيح الانتقال من الاشتباه إلى تحديد عناصر الخطر، ثم تحييد قدرته على الإضرار بأمن الدولة”. وأبرز ذات الخبير في هذا الصدد أن “قوة الدولة لا تتجلى في رد الفعل الصاخب بعد وقوع الاعتداء فحسب، بل في قدرتها الهادئة والمنضبطة على كشف المخاطر وتعطيلها، مع الحفاظ على استمرارية المؤسسات وثقة المجتمع”.
المصدر: الشروق