شبكة سلامتك الاخبارية أخبار عربية من مصادرها
…

موت المكان قبل موت الجماعة المسيحية والأرض فعل لاهوتي وجودي

موت المكان قبل موت الجماعة المسيحية والأرض فعل لاهوتي وجودي

الخوري ريمون أبي تامر

ليست الأرض مجرّد مساحة جغرافية يقيم عليها الإنسان، ولا أصلاً عقارياً تحدّد السوق قيمته. إنها أحد المواضع التي يتجسّد فيها التاريخ، وتكتسب فيها الذاكرة شكلاً، ويتحوّل فيها الانتماء إلى حياة مشتركة. وحين تُختزل الأرض إلى ثمن، يبرز سؤال يتجاوز الملكية: ماذا يخسر الإنسان حين يفقد المكان الذي تشكّلت فيه علاقته بماضيه؟ وماذا تخسر الجماعة حين تتراجع قدرتها على الاستمرار في أرضها؟

في الحالة المسيحية اللبنانية، يكتسب هذا السؤال بُعداً لاهوتياً وفلسفياً خاصاً. فالعلاقة بالأرض ترتبط بتاريخ جماعات حملت إيمانها عبر الأجيال، وبقرى وكنائس وبيوت وذاكرة اجتماعية أسهمت في تكوين تجربتها اللبنانية. ومن هنا، يصبح الدفاع عن الأرض بحثاً في شروط البقاء التاريخي، وفي العلاقة بين الإيمان والمكان، وبين حرية الفرد وقدرة الجماعة على تقرير مستقبلها.
ا
التجسّد: حين يدخل الإيمان التاريخ

في قلب الإيمان المسيحي يقف سرّ التجسّد: "والكلمة صار جسداً وحلّ بيننا" (يوحنا 1: 14). بهذا الإعلان، يدخل الإيمان في صميم التاريخ الإنساني؛ حيث يعيش الإنسان في جسد، وينتمي إلى جماعة، ويتكوّن وعيه ضمن لغة وذاكرة وعلاقات. فالتاريخ هو المجال الذي تُعاش فيه الخبرة الإنسانية، والمادة هي جزء من العالم الذي يتفاعل الإنسان معه ويمنحه معنى من خلال العمل والمحبة والمسؤولية.

يمنحنا التجسّد مدخلاً لاهوتياً لفهم أهمية المكان. فالمسيحية التي تعترف بقيمة الجسد والتاريخ تستطيع أن ترى في الأرض مجالاً للوفاء والالتزام، وفي الذاكرة مسؤولية تجاه الأجيال، وفي استمرار الجماعة شأناً يتجاوز المصالح الفردية الآنية.

وهنا ينبغي التمييز بين الإيمان بالأرض وتقديسها. فالأرض ليست صنماً، والملكية ليست امتيازاً مطلقاً، والانتماء لا يمنح جماعة حقاً فوق حقوق سواها. إنّ القيمة اللاهوتية للتجذّر تنبع من المسؤولية التي يضعها التاريخ أمام الإنسان: كيف يحفظ ذاكرته، ويصون كرامة جماعته، ويشارك في بناء مستقبل مشترك مع الآخرين؟

من هذا المنطلق، يصبح اقتلاع الإنسان من شروط حياته التاريخية مسألة تستحق التفكير الأخلاقي والسياسي. فحين تفقد الجماعة قدرتها على الاستمرار في المكان الذي تكوّنت فيه، تتعرّض إحدى ركائز ذاكرتها وحضورها في العالم للاهتزاز.

هيغل: الحرية التي تحتاج إلى عالم

تبلغ المسألة عمقاً فلسفياً أكبر حين ننتقل إلى هيغل. فالحرية في فلسفته تتجاوز الإرادة الفردية التي تتصوّر نفسها مستقلة عن كل سياق. إنها تتشكّل من خلال الاعتراف المتبادل، والعمل، والعلاقات الاجتماعية، والمؤسسات التي تتيح للإنسان أن يمارس إرادته ضمن عالم مشترك.

من هنا، يمكن مساءلة التصوّر الذي يختزل الحرية في القدرة على الانتقال من مكان إلى آخر، أو في التحرّر من كل ارتباط تاريخي. فالإنسان يستطيع أن يختار مكان إقامته، وأن ينفتح على ثقافات متعددة، وأن يبني حياته خارج موطنه. لكن الحرية تكتسب بُعداً آخر حين تتصل بقدرته على المشاركة في تقرير مصير الجماعة التي ينتمي إليها، وعلى التأثير في العالم الذي يعيش فيه.

الأرض، وفق هذا المنظور، ليست شرطاً مطلقاً للحرية، وامتلاكها لا يضمن الاستقلال تلقائياً. غير أنها قد تشكّل أحد الأطر المادية والاجتماعية التي تتحقّق فيها الحرية الجماعية. فالقرية التي تحتفظ بأهلها ومؤسساتها وذاكرتها تتيح لأبنائها مجالاً للمشاركة في الحياة العامة، فيما قد يؤدي تراجع حضورهم إلى إضعاف قدرتهم على التأثير في مستقبلها.

وهنا تكمن المفارقة: يستطيع الإنسان أن يملك حرية قانونية في بيع أرضه، فيما تتراكم نتائج عمليات البيع والهجرة على نحو يحدّ من قدرة جماعته على تقرير مصيرها. إنّ حرية الفرد وحرية الجماعة مستويان متمايزان، وقد ينشأ بينهما توتر يستدعي التفكير في شروطه، بدل الاكتفاء بأحكام أخلاقية على الأفراد.

حين تتحوّل الأرض إلى سلعة

تعيش المجتمعات الحديثة تحت تأثير اقتصاد يمنح السوق دوراً واسعاً في تحديد قيمة الأشياء. وفي المجال العقاري، تبدو هذه النزعة واضحة: الأرض سعر، والموقع استثمار، والبيت أصل مالي يمكن تسييله عند الحاجة.

تؤدي الملكية دوراً مشروعاً في الاقتصاد، ويظلّ حق التصرّف بها جزءاً من الحقوق القانونية للأفراد. غير أنّ اختزال القيمة الإنسانية للمكان في قيمته السوقية يطرح مشكلة أعمق. فالبيت قد يكون إرثاً عائلياً، والقرية شبكة من العلاقات، والأرض مستودعاً لذكريات تتجاوز حياة مالكها الحالي. وهذه الأبعاد لا تظهر كاملة في ميزان الأسعار.

من هنا، يلتقي نقد تسليع الأرض مع الدفاع عن التجذّر. فحين تتضافر المضاربات العقارية مع الضغوط الاقتصادية، وضعف فرص العمل، وتراجع الخدمات العامة، قد تصبح مغادرة القرى نتيجة لظروف تضيق فيها الخيارات المتاحة أمام السكان. وقد يبيع الإنسان أرضه لتسديد ديونه أو تأمين مستقبل أبنائه أو مواجهة أزمة معيشية. ولا يجوز تحويل هذه القرارات إلى اتهامات بالخيانة أو التخلي عن الهوية.

لكن احترام حرية المالك لا يعفي المجتمع من مساءلة النتائج الجماعية للتحولات العقارية المتراكمة. فعندما تتراجع قدرة السكان على البقاء، تتغيّر بنية القرى وعلاقاتها الاجتماعية، وقد تضعف المؤسسات التي حفظت ذاكرتها وأتاحت لأبنائها المشاركة في الحياة العامة.

المسألة هنا ليست إدانة البيع في ذاته، وإنما فهم الشروط التي تجعل الأرض عبئاً اقتصادياً على أهلها، وتجعل الرحيل أحياناً أكثر قابلية للحياة من البقاء. ومن دون سياسات إنمائية عادلة، وفرص عمل، وخدمات أساسية، وحماية قانونية من الاستغلال، تبقى الدعوة إلى التجذّر خطاباً وجدانياً عاجزاً عن معالجة أسبابه الواقعية.

المسيحي اللبناني وسؤال البقاء

بالنسبة إلى المسيحي اللبناني، تحمل الأرض دلالة تتجاوز الملكية الفردية. إنها جزء من تاريخ جماعات أسهمت في تكوين لبنان، وفي بناء مؤسساته الثقافية والتربوية والاجتماعية، وفي صياغة تصوّرات متعددة عن الحرية والتعددية ومحاولة العيش المشترك.

وتظهر أهمية هذا التاريخ في القرى التي احتفظت، عبر أجيال، بكنائسها وبيوتها ولهجاتها وتقاليدها وشبكات التضامن فيها. فهذه العناصر تشكّل ذاكرة حية، وتمنح الانتماء امتداداً اجتماعياً يتجاوز الشعور الفردي. وعندما يضعف حضور السكان في أماكنهم، يصبح السؤال متعلقاً بمستقبل المؤسسات والعلاقات التي حملت هذه الذاكرة.

مع ذلك، لا يمكن اختزال الوجود المسيحي اللبناني في حدود جغرافية مغلقة، ولا اعتبار الهجرة نفياً للإيمان أو خسارة حتمية للهوية. فقد حمل اللبنانيون المسيحيون إيمانهم وثقافتهم إلى بلدان كثيرة، واستطاعوا بناء جماعات ومؤسسات خارج لبنان. غير أنّ استمرار هذه الجماعات في الانتشار العالمي لا يلغي أهمية الحفاظ على حضورها التاريخي في وطنها.

فثمة فرق بين قدرة الفرد على الاحتفاظ بهويته أينما عاش، وقدرة جماعة تاريخية على مواصلة حضورها في مكان نشأت فيه علاقاتها ومؤسساتها وذاكرتها. الأولى تتصل بحرية الإنسان وإمكاناته؛ والثانية ترتبط أيضاً بشروط اجتماعية وسياسية واقتصادية تتيح الاستمرار عبر الأجيال.

من هنا، يصبح الدفاع عن الحضور المسيحي في القرى جزءاً من الدفاع عن التعددية اللبنانية. فالتعددية تحتاج إلى جماعات حية، قادرة على المشاركة المتكافئة في الحياة العامة، وعلى صون خصوصياتها الثقافية ضمن دولة تحمي الحقوق وتضمن المساواة. وكلما تراجعت قدرة جماعة على الاستمرار في مكانها، ازدادت أهمية السؤال عن الأسباب والنتائج، بعيداً عن التخوين أو التعميم.

التجذّر في مواجهة أوهام التحرّر

تستحق بعض التصورات الفردانية والكوزموبوليتية مراجعة نقدية حين تقدّم الانتماء المحلي باعتباره عبئاً على حرية الإنسان، أو تتعامل مع الجذور كأنها بقايا ماضٍ ينبغي التخلص منه. فالانفتاح على العالم قيمة إنسانية، لكنه يفقد شيئاً من معناه حين يترافق مع ازدراء الذاكرة، أو مع تجاهل الشروط التي تسمح للجماعات بالحفاظ على حضورها التاريخي.

وفي المقابل، قد يتحوّل خطاب التجذّر نفسه إلى أداة انغلاق حين يربط الهوية بملكية الأرض وحدها، أو يضع الجماعات في مواجهة بعضها، أو يجعل الخوف من الآخر أساساً للانتماء. لذلك، يحتاج الدفاع عن الأرض إلى معيار أخلاقي واضح: صون حق الجماعة في الاستمرار، مع احترام حرية الفرد وحقوق الآخرين ومبدأ المواطنة المتساوية.

التجذّر الناضج يمنح الإنسان موقعاً يقف منه أمام العالم، وذاكرة يستطيع أن يدخل بها في الحوار، ومسؤولية تجاه المكان الذي أسهم في تكوينه. أما الانغلاق فيحوّل الجذور إلى حدود تخنق الحياة، ويجعل الماضي حاجزاً أمام المستقبل.

إنّ لبنان الذي يستحق الدفاع عنه هو وطن يستطيع أبناؤه أن يبقوا فيه بكرامة، وأن يرحلوا عنه بحرية، وأن يحتفظوا بانتمائهم أينما أقاموا. وهو وطن يحمي حق الملكية بالقانون، ويواجه الاستغلال والمضاربات غير المشروعة، ويعمل على إنماء القرى والمناطق، ويتيح لجميع جماعاته المشاركة في تقرير مستقبله.

لهذا، ينبغي أن يتحوّل التجذّر من شعار عاطفي إلى مشروع سياسي واجتماعي. فالدفاع عن الأرض يقتضي تنمية المناطق المهمّشة، وتوفير فرص العمل، وتحسين الخدمات، وحماية البيئة والتراث، وتأمين شروط تتيح للأجيال الجديدة أن تختار البقاء من موقع الكرامة والاستقلال. كما يقتضي الاعتراف بأنّ الأرض مسؤولية مشتركة، وأنّ قيمتها التاريخية لا تبرّر انتهاك حقوق أي إنسان.

الأرض بوصفها مسؤولية تاريخية

تضعنا المسيحية أمام عالم ملموس، يعيش فيه الإنسان إيمانه عبر علاقاته وأفعاله ومسؤوليته تجاه الآخرين. وتساعدنا الفلسفة على فهم أنّ الحرية تحتاج إلى شروط واقعية واجتماعية، وأنّ الجماعة لا تستمر بمجرد الاحتفاظ بذكريات الماضي، وإنما بقدرتها على تحويل هذه الذاكرة إلى حياة ومؤسسات ومشاركة في صناعة المستقبل.

من هنا، تكتسب الأرض معناها بوصفها مجالاً للوفاء والعمل والحرية. إنها ذاكرة مادية، وفضاء اجتماعي، وأفق تتلاقى فيه حقوق الفرد ومسؤوليات الجماعة. وحين تصبح مغادرتها الخيار الوحيد القابل للحياة، تبرز مشكلة تتجاوز قرار المالك إلى السياسات والظروف التي أحاطت به.

إنّ التجذّر الذي يستحق الدفاع عنه هو الذي يحفظ للجماعة حقها في الاستمرار، وللفرد حريته في الاختيار، وللمجتمع تعدديته. وهو تجذّر يستمدّ قوته من العدالة، ويجد معناه في المسؤولية، ويثبت أصالته بقدرته على الانفتاح على الآخر.

فالبقاء في الأرض، حين يستند إلى الكرامة والحرية والعدالة، فعل مسؤولية تاريخية. والتجذّر، حين يصون الذاكرة ويحترم الإنسان، يصبح أحد الشروط التي تحفظ للجماعة حضورها ومستقبلها.

المصدر: النهار