حين تبدو الأرقام مطمئنة: درس لبنان في الثقافة المالية
مصطفى عبدالله الدح - أستاذ مشارك في المالية ورئيس قسم المالية والمحاسبة، الجامعة اللبنانية الأميركية
من السهل بعد أي أزمة مالية أن نحمّل النظام وحده المسؤولية، كما أنه من السهل أن نحمّل الأفراد ما يفوق قدرتهم. التجربة اللبنانية تحتاج إلى قراءة أدق. نعم، كانت هناك اختلالات عميقة في المصارف والدولة والسياسات النقدية. لكن ضعف الثقافة المالية كان جزءاً حقيقياً من المشكلة أيضاً، ولا يفيد تجاهله إذا كان الهدف أن نتعلم مما حدث.
بعض المودعين لم يفهموا ما الذي يعنيه أن يحصلوا على عائد مرتفع جداً على وديعة يفترضون أنها آمنة. بعضهم رأى العائد الاستثنائي ولم يسأل عن مصدره. وبعضهم أدرك أن هناك مخاطرة، لكنه قبلها لأن المقابل كان مغرياً. هنا لا نتحدث فقط عن نقص في المعلومات، بل عن ضعف في تقدير المخاطر، وفي بعض الحالات عن طمع واضح.
الثقافة المالية تبدأ من فهم المنطق الذي يقف خلف العرض المالي. عندما يضطر مصرف إلى دفع عائد مرتفع جداً لجذب الأموال أو الاحتفاظ بها، فهذه ليست ميزة مجانية للمودع. هي إشارة إلى أن الحصول على التمويل أصبح مكلفاً، وأن السؤال يجب أن ينتقل فوراً من حجم العائد إلى سبب الحاجة إلى دفعه.
في السنوات التي سبقت الأزمة، ارتفعت العوائد على الودائع، ثم أصبحت العروض أكثر سخاءً مع اشتداد الحاجة إلى استقطاب الأموال. ومع استمرار النظام في العمل، بدأ ما كان يفترض أن يثير الحذر يبدو مألوفاً وقابلاً للاستمرار. وهنا تكمن إحدى أخطر مشكلات الثقافة المالية: عندما يستمر النظام في العمل رغم إشارات الخطر، قد يتحول بقاؤه إلى سبب للاطمئنان. وبدلاً من أن يبقى ارتفاع العائد سبباً للسؤال، أصبح لدى كثيرين معياراً للمفاضلة بين مصرف وآخر.
ولم تكن المشكلة في تقدير العائد وحده، بل في فهم طبيعة الوديعة نفسها. كثيرون تعاملوا مع الوديعة المصرفية كما لو أنها نقد محفوظ باسمهم. بينما الوديعة، اقتصادياً، هي حق على المصرف، وقدرة المصرف على الوفاء بهذا الحق تعتمد على كيفية استخدامه للأموال وعلى سلامة أصوله.
لذلك، فإن بقاء الرقم نفسه في الحساب لا يقول الكثير وحده عن درجة الأمان. قد تبقى القيمة الاسمية ثابتة، فيما تتغير قدرة الجهة التي تقف خلفها على الوفاء بالتزامها.
وهذا يقود إلى مستوى آخر من المخاطر كان مهماً جداً في لبنان. فقد يعتقد المودع أنه خفّض المخاطر عندما وزع أمواله على عدة مصارف، وهذا صحيح إذا كانت المخاطر الخاصة بكل مصرف هي المشكلة الأساسية. أما عندما تكون المصارف نفسها معرضة بدرجة كبيرة إلى المصدر ذاته من الخطر، فإن توزيع الأموال بينها ينوّع أسماء المؤسسات أكثر مما ينوّع الخطر الاقتصادي الذي يتحمله المودع. في لبنان، كان هذا الارتباط كبيراً ومتزايداً. فقد قدّر صندوق النقد الدولي أن انكشاف المصارف مجتمعة على مصرف لبنان والدولة ارتفع من نحو 62 في المئة من إجمالي أصولها في نهاية 2017 إلى 69 في المئة بحلول أيار 2019. يمكن إذاً أن تتعدد الحسابات والمصارف، بينما يظل جزء كبير من الثروة معرضاً للخطر الأساسي نفسه.
هذا لا يعني أن على كل مودع أن يصبح محللاً مصرفياً. المطلوب أبسط من ذلك: أن يعرف أن العائد المرتفع يحمل معلومة، وأن الوديعة ليست نقداً محفوظاً، وأن التنويع لا يتعلق بعدد الحسابات فقط بل بمصادر المخاطر التي تقف خلفها. وفي الوقت نفسه، لم تكن كل هذه المخاطر سهلة القياس بالنسبة إلى المودع العادي، ولا كانت المعلومات المتاحة تسمح دائماً بتحويلها إلى تقدير واضح لحجم الخطر. الثقافة المالية ترفع جودة القرار، لكنها لا تلغي مسؤولية المؤسسات والرقابة والسياسات العامة.
كما لا يعني ذلك أن الثقافة المالية كانت كافية وحدها لمنع الخسائر. النظام المالي نفسه كان يعاني مشكلات عميقة، والرقابة والسياسات العامة لعبت دوراً أساسياً. لكن القول إن البدائل كانت محدودة لا يعني أنها كانت معدومة.
كان بإمكان بعض الأسر أن تخفف انكشافها للمصارف، بالاحتفاظ بجزء من الثروة خارج النظام المصرفي، أو في الذهب أو العقار أو أصول أخرى، أو في الخارج حيث كان ذلك متاحاً. ولم تكن هذه الخيارات متاحة للجميع بالدرجة نفسها؛ فقد اختلفت القدرة على استخدامها بحسب حجم المدخرات، والسيولة، والوصول إلى أسواق أو حسابات خارجية.
لهذا، فإن أهم ما يجب أن يتغير في مفهوم الثقافة المالية بعد الأزمة هو طريقة التفكير نفسها. لا يكفي أن يعرف الفرد كيف يدخر أو كيف يقارن بين معدلات الفائدة. الأهم أن يتعلم كيف يقرأ ما وراء العرض المالي: ما الذي يجعل هذا العائد ممكناً، وما الذي يمكن أن يجعله غير قابل للاستمرار، وما مقدار الخطر الذي يتحمله فعلياً مقابل هذا العائد.
وربما تكشف التجربة اللبنانية عن فكرة أبعد من ذلك: الخطر المالي لا يبدأ دائماً عندما تصبح الأرقام سيئة، بل قد يتراكم أيضاً في فترات تبدو فيها المؤشرات مطمئنة. فالعائد المرتفع، والثبات الطويل، والثقة الواسعة قد تُقرأ كدلائل على القوة، لكن استمرارها لا يعني بالضرورة أن الأسس التي تقوم عليها سليمة. وهذا ربما هو الاختبار الأصعب للثقافة المالية: ألا نعتبر ما دام لفترة طويلة دليلاً على أنه قابل للدوام، وأن نسأل ما الذي يدعم هذا الوضع فعلاً، وما الذي قد يحدث إذا تغيّرت الشروط التي يقوم عليها.
المصدر: النهار