جيروندان بوردو في الحضيض... مجد زيدان إلى الدرجة السادسة
تحتفظ السجلات الذهبية لكرة القدم الفرنسية باسم جيروندان بوردو، أحد أعرق أنديتها، بستة ألقاب للدوري، وتاريخ ارتبط بنجوم كبار، في مقدّمهم زين الدين زيدان، وأكاديمية خرّجت أجيالاً من اللاعبين. لكن هذا الإرث لم يمنع النادي من السقوط إلى الدرجة السادسة، بعدما تحوّلت أزمته المالية إلى انهيار أصاب هويته الاحترافية وبنيته الرياضية.
في أيلول 2026، وقّع النادي اتفاقاً لانتقال ملكيته إلى صندوق الاستثمار الأميركي "بارك بنش" مقابل يورو رمزي، مع تحمّل الديون. صفقة تختصر حجم المأزق: نادٍ كان ينافس على الألقاب بات يبحث عن فرصة للبقاء، فيما يرتبط مستقبله باستكمال إجراءات اعتماد الملكية والميزانية.
أزمة موروثة
في 2018، انتقلت ملكية بوردو إلى مجموعة "كينغ ستريت" الأميركية، وسط اضطرابات مالية وإدارية. ثم جاءت أزمة حقوق البث التلفزيوني في فرنسا لتزيد الضغوط، قبل أن تعلن المجموعة في نيسان 2021 وقف تمويل النادي، ما دفعه إلى حافة الإفلاس.
وصل المستثمر جيرار لوبيز في صيف العام نفسه، مقدّماً نفسه بوصفه المنقذ. لكنه تسلّم مؤسسة مثقلة بالديون، ولم ينجح في إعادة الاستقرار إليها. هبط بوردو رياضياً من الدرجة الأولى، ثم واجه هبوطاً إدارياً بسبب مخاوف هيئة الرقابة المالية الفرنسية من قدرته على الوفاء بالتزاماته.
لم يبدأ لوبيز الأزمة، إلا أن التقهقر تفاقم إبان إدارته للنادي، إذ كان مسؤولاً عن القرارات المالية والرياضية، وعن خطط الإنقاذ التي لم تمنع التدهور، وتحولت الأزمة في عهده إلى انهيار شامل.
المال تحت المجهر
قبل عامين، نشرت "ميديابارت" تحقيقاً عن إدارة لوبيز المالية، تناول اتفاقات وعمولات وفوائد قالت الصحيفة إنها كشفتها عبر وثائق حصلت عليها. وهذه معلومات صحافية لا تعادل حكماً قضائياً، لكنها طرحت علامات استفهام عن الأموال التي خرجت من النادي، والخدمات التي دُفعت مقابلها، وأسباب العجز في تأمين الاستقرار المالي، حيث كانت قد انهارت مفاوضات الاستحواذ مع مجموعة "فينواي سبورتس"، المالكة لنادي ليفربول. ودخل بوردو إجراءات التعافي القضائي، ثم فقد وضعه الاحترافي وأغلق أكاديميته.

لم تكن خسارة الأكاديمية تفصيلاً إدارياً؛ فقد خسر النادي إحدى أهم أدوات تطوير المواهب وبناء الفريق، ومصدراً محتملاً للإيرادات المستقبلية. لم يعد الخطر مقتصراً على الهبوط، بل امتد إلى البنية التي صنعت مكانة بوردو لعقود.
وفي 2025، أُقرت خطة لإعادة هيكلة الديون، لكن تخفيف الالتزامات لم يكن كافياً لإنقاذ النادي رياضياً. فخفض الديون لا يضمن إيرادات جديدة، ولا يوفّر تلقائياً ميزانية موسم كامل.
ومع نهاية الموسم الماضي، استُبعد بوردو من المسابقات الوطنية لعدم تقديم ضمانات مالية كافية، برغم إقرار النادي بأنه وفّر أموالاً وضمانات إضافية، لكن ذلك لم يغيّر النتيجة. فقد اعتبرت الجهات القضائية أن الأموال التي قُدّمت بعد جلسة الاستئناف لا تكفي لإبطال القرار بأثر رجعي.
يورو لمحو الأزمة؟
انتقال الملكية إلى "بارك بنش" لا يعني شراء نادٍ بلا ثمن؛ فالمشتري يتسلّم مؤسسة مثقلة بالديون والتزامات إعادة الهيكلة. والتحدي الحقيقي ليس توقيع الصفقة، بل إثبات القدرة على إدارة النادي بميزانية واقعية، وضبط الإنفاق، وإعادة بناء مشروع رياضي يتناسب مع موارده.
من زيدان إلى الدرجة السادسة، لم يسقط بوردو في يوم واحد. سقط عبر سنوات من الأزمات ومحاولات الإنقاذ المتعثرة لناد بهذا التاريخ بلغ الدرك الأسفل.
المصدر: النهار