مؤسسة الصحة الوقفية "أثر".. عطاء مستدام
د. حامد بن عبدالله البلوشي من أعظم صور الإنسانية وإعمار الأرض على مدار التاريخ الإنساني التكافل بين الناس، وقد كان الوقف في التراث العربي والإسلامي صورة من ذلك التكافل، وجسرا يصل خير الإنسان وعطاءه بحاجات المجتمع ونواقصه، ويحول المال من ثروة فردية إلى منفعة باقية، تتعاقب عليها الأجيال، ويظل أثرها شاهدا على نبل العطاء، ليتجاوز كونه لحظة عابرة من البذل والسخاء إلى أثر ممتد. ومنذ أن عرف المجتمع العماني نظام الوقف، ظل هذا العمل المبارك شاهدا على رسوخ قيم التكافل والتراحم، ودليلا على وحدة الصف وتآلف القلوب، ووسيلة لتحويل العمل التطوعي الفردي إلى منفعة عامة تمتد آثارها عبر الأجيال. ولم يكن الوقف في التجربة الإسلامية مجرد صدقة عابرة، بل كان استثمارا في الإنسان، وتنافسا شريفا في إغنائه وسد حاجاته، وتأمين مقومات عيشه الكريم، وتلبية احتياجاته الأساسية في جميع المجالات التي تخدم المجتمع؛ كالتعليم، والصحة، والإغاثة، والبيئة، وسائر وجوه النفع العام. ومن هذا الإرث العريق تبرز اليوم فكرة الوقف الصحي بوصفها نموذجا معاصرا يوظف روح الوقف لخدمة أحد أهم مقومات الحياة والتنمية وهي صحة الإنسان. وفي هذا السياق جاءت مؤسسة الصحة الوقفية "أثر" لتقدم نموذجا عمانيا رائدا في هذا المجال، بوصفها مؤسسة غير ربحية تهدف إلى دعم القطاع الصحي، وتحقيق تنمية صحية مستدامة. وقد انطلقت عام 2020م بقرار من وزارة الأوقاف والشؤون الدينية رقم (283/2020م)، كأول مؤسسة متخصصة بالوقف الصحي في السلطنة، لتوفير مصادر تمويل بديلة، وتفعيل الشراكة المجتمعية، ودعم المبادرات والمشروعات والاستثمارات الصحية في مختلف المحافظات. وتقوم «أثر» على رؤية واضحة تتمثل في أن تصبح مؤسسة رائدة في توظيف التمويل البديل للقطاع الصحي، ومركزا لتضافر الجهود وبناء الشراكات من أجل رفاهية المجتمع وأمنه الصحي، وتسعى إلى دعم الرعاية الصحية في مختلف أنحاء السلطنة. وتستند في عملها إلى قيم الحيوية، والجودة، والرخاء، والكرامة، والاستدامة، والثقة، والشفافية. وتقوم فكرة الوقف الصحي على تخصيص أموال، أو أصول، أو عوائد، بصورة مستدامة لخدمة الأغراض الصحية، بحيث لا ينتهي أثر العطاء بانتهاء التبرع، بل يستمر نفعه في علاج المرضى، وتوفير الأجهزة والمستلزمات، ودعم المنشآت والمبادرات الصحية. وتزداد أهمية هذا النموذج الوقفي الفريد في ظل تنامي الاحتياجات الصحية وتنوعها، واتساع الرقعة الجغرافية للسلطنة، وارتفاع كلفة التقنيات والأجهزة والتخصصات الطبية. ومن هنا يصبح المجتمع شريكا في صناعة الحلول، ويصبح القطاع الخاص قادرا على تحويل جزء من مسؤوليته المجتمعية إلى مشروعات صحية مستدامة، بدلا من الاقتصار على مساهمات متفرقة. وتتمثل رسالة «أثر» في تقديم الدعم للنظام الصحي، وتحقيق التكافل الاجتماعي، وإدارة واستثمار أموال المؤسسة في مشروعات نوعية ذات أولوية، وإنشاء منظومة تمويل مستدامة، إلى جانب بناء شراكات مع الأفراد، والقطاع الخاص، والمؤسسات الخيرية والوقفية. ولم تتوقف فكرة الوقف الصحي في «أثر» عند حدود التنظير، ومجرد أفكار لا عائد من ورائها، بل بدأ يتحول إلى مشروعات وشراكات ملموسة، حيث نجحت مؤسسة (أثر) حتى الآن في بناء العديد من الشـراكات في القطاعين غير الربحي والخاص، وقد أسهمت هذه الشراكات في دعم الخدمات الصحية بالسلطنة من خلال تنفيذ مجموعة من المشروعات التي لها تأثير إيجابي كبير على احتياجات القطاع الصحي بغية الوصول لصحة شاملة ومستدامة، ومن أهم هذه المشروعات: مشروع مركز مرتفعات العامرات الصحي، ومشروع حي السلام الصحي في المعبيلة الجنوبية، ومشروع شراء معدات وأجهزة طبية لمركز صحي حي الميناء في ولاية مطرح، والتبرع بعدد من سيارات الإسعاف لدعم ورعاية المسنين في جميع أنحاء السلطنة، كما شاركت المؤسسة في تمويل توسعة مركز نخل الصحي بعيادات تخصصية متكاملة، تشمل المعدات، والأجهزة الطبية، والتأثيث، ضمن شراكة جمعت وزارة الصحة والقطاع الخاص والمؤسسة. كما دعمت برامج تدريبية في الرعاية الصحية عن بعد، وأسهمت في توفير أدوات ومعدات تعليمية وطبية لتدريب القابلات، بما يعزز بناء الكوادر الصحية الوطنية. وتكشف هذه المبادرات أن «أثر» لا تنظر إلى الوقف بوصفه تمويلا فقط، وإنما باعتباره أداة لتوجيه الموارد إلى الاحتياجات الفعلية، وقياس أثر المشروعات، وتحويل المسؤولية المجتمعية إلى قيمة تنموية مستمرة. إنَّ نجاح الوقف الصحي لا يمكن أن تصنعه مؤسسة واحدة؛ فهو يحتاج إلى منظومة متكاملة تجمع وزارة الصحة، والمؤسسات الخيرية والأهلية، والقطاع الخاص، والواقفين، والمتبرعين، فلا تكتمل رسالة «أثر» السامية، وفكرتها الرائعة إلا بتكاتف الجميع؛ أفرادا، ومؤسسات، وشركات، وميسورين، فكل مساهمة، مهما كان حجمها، يمكن أن تتحول إلى أمل يتجدد، ورعاية تصل إلى مستحقيها، وحياة تنعم بالصحة والكرامة. ومن هنا؛ فإن دعم هذه المؤسسة ليس مجرد تبرع عابر، بل استثمار في صحة الإنسان، وإسهام في بناء منظومة وقفية قادرة على مواصلة العطاء واستدامة الأثر. ولا يمكن لهذه الرسالة أن تبلغ غاياتها المنشودة إلا بتضافر الجهود وتكامل الأدوار، وهو ما عرف به المجتمع العماني منذ القدم من حبّ للخير، وتراحم، وتكافل، وتكاتف في مواجهة التحديات. فلنجعل من الوقف الصحي امتدادا لهذا الإرث الأصيل، ولنتشارك جميعا في غرس خير يبقى، وأثر ينمو، وعطاء تمتد ثماره إلى الأجيال القادمة. وهنا تكمن قيمة "أثر": أنها تعمل كحلقة وصل بين من يملك القدرة على العطاء، ومن يحتاج إلى الرعاية، وبين الأولويات الوطنية التي تحددها المنظومة الصحية. ولا تخلو المسيرة من تحديات؛ في مُقدمتها استدامة الموارد، وزيادة الوعي بالوقف الصحي، واستقطاب الواقفين والمتبرعين، وتوسيع قاعدة الشراكات، والاستفادة من التحول الرقمي في إدارة التبرعات وقياس الأثر والوصول إلى المستفيدين. لكن هذه التحديات تحمل في داخلها فرصا واسعة. فكلما توسعت المنصات الرقمية، وأصبح أثر التبرع أكثر شفافية، وأتيح للواقف أن يتابع ثمرة وقفه، ازداد الإقبال على هذا النوع من العطاء. إن مستقبل «أثر» يمكن أن يتحول إلى نموذج عماني رائد للوقف الصحي؛ وقف لا يكتفي بعلاج الحاجة، بل يصنع القدرة؛ ولا يكتفي بتمويل المشروع، بل يستثمر في استدامته؛ ولا يعمل منفردا، بل يجمع قطاعات المجتمع حول غاية واحدة هي صحة الإنسان. وهكذا يصبح الوقف الصحي أكثر من مجرد مال ينفق؛ ويصبح رسالة إنسانية، وشراكة وطنية، واستثمارا في الحياة. وتلك هي حقيقة "أثر" أن تعطي اليوم، ليبقى عطاؤك غدا، وأن يتحول الخير الذي تزرعه في حياة إنسان إلى ثمرة تمتد للأجيال. ** مدير عام شبكة الباحثين العرب في مجال المسؤولية المجتمعية
المصدر: الرؤية