التغيرات المناخية واستباق المخاطر
سعود بن راشد الرحبي يُشكِّل تغيُّر المناخ أحد أخطر التحديات التي تواجه البشرية والنظم البيئة في العصر الحديث لما له من آثار جسيمة على استقرار المجتمعات والدول، ويشهد العالم خلال الفترة الراهنة ظاهرة "إلنينو"؛ وهي ظاهرة طبيعية قديمة من المتوقع أنها تزيد من مخاطر الكوارث المناخية مثل موجات الحر والجفاف، والفيضانات وغيرها. وأكد خبراء أن إمكانية التنبؤ بهذه الظاهرة بوقت كاف يتيح للحكومات سرعة الاستجابة، واتخاذ الإجراءات والتدابير اللازمة بفعيل أنظمة الإنذار المبكر، وتعزيز التنسيق بين الجهات المعنية، ونشر الوعي وتثقيف المجتمع. أما ظاهرة الاحتباس الحراري فتعد من أبرز الظواهر التي لاقت اهتمام العالم منذ عقود والناتجة عن تزايد انبعاثات الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي للأرض؛ وهو ما أكده الأمين العام للأمم المتحدة في قمة المناخ الافتراضية في أبريل عام 2021؛ حيث وصف العالم بأنه على "حافة الهاوية" وحث الزعماء على التحرك السريع ليضعوا الكوكب على مسار أخضر. ومن المنتظر أن تستضيف مدينة أنطاليا التركية أعمال قمة المناخ COP31 في شهر نوفمبر 2026، ومن المتوقع أن تتناول جملة من الأولويات وأبرزها: الطاقة النظيفة، والتحول الصناعي، ومرونة المدن أمام الكوارث الطبيعية، وحماية بيئة التعليم والصحة، والأمن الغذائي. وفي هذا السياق، يذهب متابعون إلى أن القمم السابقة لم تحقق التقدم المأمول بشأن التزام الدول المتقدمة بتخفيض الانبعاثات، أو تقديم الدعم المطلوب للدول النامية الأكثر تضررًا التي تعاني من الهشاشة نظرا لنقص القدرة والموارد اللازمة لمواجهة التغير المناخي، ومن الأمثلة الصارخة على ذلك انسحاب الولايات المتحدة من "اتفاق باريس" في عهد الرئيس دونالد ترامب؛ بدعوى خسارة الاقتصاد الأمريكي جملة من الوظائف بسبب الاشتراطات البيئية خاصة لإنتاج الفحم، مما يؤكد أن تنامي الصراع على المصالح والسياسات المتعلقة بالحد من المنافسة الأجنبية يشجع بعض الدول على إعطاء الأولوية لمصالحها الآنية على حساب اتجاهات التحول المناخي المستدام، في حين تستمر جهود المؤسسات الأكاديمية والمراكز البحثية المهتمة في إنتاج المعرفة وإجراء الدراسات العلمية التي تتناول ظاهرة الاحتباس الحراري، وتقدم توصيات ومقترحات للاستفادة منها من قبل صناع القرار لاحتواء الظواهر وتأثيراتها التي تعصف بالأرض بما كسبت أيدي البشر. وانطلاقًا من ذلك، اقترح عدد من العلماء الأستراليين في تخصصات الفيزياء والجيولوجيا وعلوم النظام المناخي، جملة من الحلول، ومن أبرزها توسيع الرقعة الزراعية، وتحويل ثاني أكسيد الكربون إلى معادن كربونية عن طريق عدد من التقنيات ومنها إمكانية التقاط ثاني أكسيد الكربون من المنشآت الصناعية باستخدام البكتيريا، ثم استخدامه في إنتاج مواد بناء مفيدة، وكذلك استخدام تقنيات تعكس (ضوء الشمس) إلى الفضاء، مثل استخدام أسقف بيضاء، لتخفيف الحرارة الممتصة وتبريد المدن، بالإضافة الى تقديم حوافز مالية سخية لتشجيع التحول نحو الطاقة النظيفة ومنها استخدام المركبات عديمة الانبعاثات (تعمل بطاقة الهيدروجين أو الكهرباء). وبطبيعة الحال، لم تعد تأثيرات التغيرات المناخية تحديًا محصورًا في منطقة جغرافية بعينها فمنطقتنا العربية عرضة كذلك لأخطار التغير المناخي، ويحسب للجهات المختصة في دول الخليج ودول عربية أخرى إيلاءها هذا القطاع اهتماما متزايدًا وأعد وترجمت على شكل خطط مدروسة ومشاريع وطنية لتخفيض الانبعاثات في النفط والغاز، والتوسع في مشاريع الطاقة الخضراء، ومبادرات التشجير، وإقامة المحميات الطبيعية وغيرها. وسلمت سلطنة عُمان في أغسطس 2026 ممثلة بهيئة البيئة تقرير المساهمات الثالث إلى أمانة اتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغيُّر المناخ وفاء بالتزاماتها بموجب متطلبات اتفاق باريس، ويتسق مع توجهاتها في خفض انبعاثات غازات الدفيئة، وتعزيز التكيف والمرونة المناخية، ودفع مسارات التنمية المستدامة وتحقيق الهدف الوطني للوصول إلى الحياد الصفري بحلول عام 2050. ولذلك نؤكد أن المراجعة الدورية لخطط الطوارئ لإدارة الازمات الناتجة عن الكوارث الطبيعية المرتبطة بالمناخ، تكتسب أهمية خاصة بإقامة التمارين المشتركة بين الجهات المختصة في بيئة افتراضية للتحقق من فهم الجميع للأدوار والمسؤوليات، والقدرة على تنفيذها بكفاءة وتكامل عند الضرورة لا قدر الله.
المصدر: الرؤية